في صندوقٍ كبيرٍ من النايلون والقماش، أدى المصلون في مسجد البورنو غرب مدينة غزة صلاة التراويح في أول ليلة من ليالي رمضان المبارك لهذا العام، وتعالت أصواتهم بالدعاء على الاحتلال الذي لم يتورع عن تدمير مسجدهم تدميرا كليا خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة ويحوله إلى كومة من الحجارة.
مسجد البورنو واحد من عشرات المساجد التي أتت عليها صواريخ الاحتلال الإسرائيلية والقنابل الثقيلة خلال الحرب، بذريعة أن المقاومين الفلسطينيين يختبئون داخلها، غير أن معطيات رسمية أكدت أن أياً من أولئك المقاومين لم يرتقِ جراء قصف المساجد.
ويستقبل مواطنو قطاع غزة رمضان هذا العام بطعم آخر للعبادة، ويقول الحاج أبو محمد الشوا (50 عاما) عقب خروجه من صلاة التراويح في مسجد البورنو إنه تذوق طعما غريباً للصلاة وهو يصلى في مكان حاول الاحتلال إنهاءه عن الوجود.
ويضيف: "كما ترى حر شديد لا يطاق، ومكان غير مؤهل للصلاة، ولا يليق بحرمة شهر رمضان، لكن التحدي والصمود سيكونان عنوان صلاتنا في رمضان، لنقول للعدو الصهيوني الغاشم أننا لا يمكن أن نرحل من أي شبر بمجرد أنك أقدمت على قصفه، فنحن نعيش طول حياتنا تحت القصف والتدمير".
ودمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب على غزة، وفق تقرير رسمي صدر عن وزارة الأوقاف والشئون الدينية في غزة (45) مسجداً تدميراً كاملاً، فيما دمر (55) مسجداًتدميراً جزئياً، فضلا عن عشرات المساجد الأخرى التي أصيبت بدرجات متفاوتة.
ذكريات مؤلمة
وعكف المواطنون الفلسطينيون على تجهيز أماكن بديلة للصلاة على أنقاض حجارة المساجد المدمرة، وأدوا صلاتهم حتى خلال
![]() |
| احد المساجد المدمرة بغزة |
الحرب وتحت القصف فوق حجارة مساجدهم.
وعبَّر محمد أبو جاسر (26 عاما) من مسجد الشهيد إبراهيم المقادمة في مشروع بيت لاهيا الذي تم تدميره بالكامل خلال الحرب عن شعور صعب جدا ونفسية غير مرتاحة انتابته وانتابت كل رواد المسجد جراء أداة صلاة التراويح في أول ليلة من رمضان في بقعة صغيرة توازي ربع مساحة المسجد الأصلي.
وذكر بأن شعورا غريبا يسيطر عليه حين يستذكر بعض الأئمة والمشايخ الذين كانوا يؤمون الناس ويعظونهم خلال رمضان السابق، والذين باتوا اليوم في عداد الشهداء.
ولفت أبو جاسر خلال حديث لـ"صفا" إلى أن المصلى البديل الذي يصلون فيه هو مكان ضيق جدا، لا هواء، ولا نفس، الأمر الذي جعل الكثيرين من أهل المنطقة يبحثون عن مساجد أخرى للصلاة فيها بشكل مريح.
وأعرب المواطن عن استغرابه الشديد من صمت المجتمع الدولي على الجرائم الإسرائيلية المتلاحقة بحق الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها الاعتداء على دور العبادة، وقال: "معروف أن دور العبادة في أي مكان في العالم هي خط أحمر، ونحن نطالب بعدم المساس بدور العبادة لأنها المكان الذي يؤدي فيه الناس عبادتهم".
وأكمل: "إذا دمرت هذه الأماكن، إلى أين نذهب؟ بالتأكيد نضطر للذهاب لمسجد بعيد عن المسجد الذي نشأنا وتربينا فيه"، مطالبا بمعاقبة "إسرائيل" على اعتدائها على دور العبادة.
وأشار تقرير الأوقاف إلى أن قوات الاحتلال قصفت خلال حربها على بعض المساجد أثناء وجود المصلين داخلهاأو على أبوابها.
وشنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة إعلامية ودعائية بحق المساجد، وأعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي أفيتال ليبوفيتش خلال الحرب، أن حكومتها طلبت من الجيش القضاء على البنية التحتية لحركة المقاومة الإسلامية حماس، والتي تمكنت الحركة من إنشائها خلال العامين الماضيين.
وقالت ليبوفيتش :" إن الجيش الإسرائيلي سيقوم خلال المرحلة الثالثة للعملية العسكرية على قطاع غزة، باستهداف المئات من مستودعات الذخيرة والمتفجرات وصواريخ جراد المخبأة في المساجد وغيرها من الأماكن"، على حد قولها.
رمضان مختلف!
الشاب حسن العامودى (24 عاما) أحد المصلين الذي تواجد في مسجد الخلفاء الراشدين في معسكر جباليا لحظة قصفه بأربعة صواريخ إسرائيلية، يقول:" دخل علينا الشهر الكريم ونحن مشردون لا تؤوينا إلا بعض الحجارة المرصوصة والمغطاة بألواح الزينقو".
وتحدث بمرارة: "هكذا تحول مسجد الشهداء الكبار إلى كومة من الحجارة، لنستقبل رمضان الكريم في مصلى صغير جدا لا يكاد يكفي لأعداد بسيطة من رواد المسجد".
وأضاف العامودي خلال حديث لـ"صفا": "إن المصلى البديل لا يكفي لأهل الحي، بل إننا اضطررنا لإلغاء مصلى النساء حتى يكفي المسجد البديل للرجال، ويا ليته يكفي، وهذا أثر سلباً على أهل المنطقة الذين أخذوا يبحثون عن مسجد بديل".
وتحسر الشاب العامودي على تلك اللحظات التي كان يقضيها الشباب عقب صلاة التراويح في مسجد الخلفاء، وقال: "رمضان هذا العام غير كل رمضان، بتنا نصلي في مصلى صغير مبني من حجارة قديمة، الطقس فيه لا يطاق".
ويحل رمضان هذا العام في أجواء صيفية حارة لم تمر، كما يقول كبار السن، منذ عشرات السنين، حتى أضحى حديث العامة من الناس عن طول النهار والحر الشديد وصعوبة الصيام في هذه الأجواء.
ومع دخول رمضان على أهل غزة وقد دمرت "إسرائيل" هذا العدد الكبير من المساجد، قال وزير الأوقاف والشئون الدينية بغزة طالب أبو شعر: "مساجدنا الآن في وضع صعب بسبب هذا الحصار، وقد أنشأ الناس مصليات مؤقتة في أجواء حارة لا توفر فرصة مناسبة للصائمين القائمين في هذا الشهر الفضيل لأداء عبادتهم، وهذا لا يليق بهذا الشهر ولا بهذه الأمة المجاهدة".
جريمة ممنهجة
وأضاف أبو شعر خلال حديث خاص لـ"صفا": "إن جريمة تدمير المساجد سياسة منهجية للكيان الصهيوني تكشف عنالوجه الحقيقي للكيان تجاه قضية الصراع، فهو يقوم بحرب دينية على الإسلاموالمسلمين".
وأكمل: "يعتصر قلوبنا الألم بعد حرب ظالمة طالت كل شيء حتى المساجد، وحصار ظالم جاء كحرب اقتصادية تضاف للحرب العسكرية التي أطلقها الكيان، هذه الحرب الاقتصادية حالت دون أن يعيد الفلسطينيون بناء مساجدهم المدمرة، وهذا ظلم فوق ظلم".
وتابع: "إننا نستشعر في هذه اللحظات بأن القوى المختلفة إنما تريد أن تعاقب الشعب الفلسطيني على خياراته الحرة، لكننا نأمل أن يوفقنا الله لفك الحصار وإعادة الإعمار حتى يستطيع أبناء شعبنا العيش حياة حرة كريمة".
وطالب أبو شعر بتشكيل لجنة تحقيق دوليةفي العدوان الإسرائيلي على المساجد ودور العبادة واعتبارها من جرائم الحرب ومحاكمةالمسئولين عنها.
ويتنسم الفلسطينيون اللحظات الأولى من رمضان ولازالت آثار الحرب الأخيرة تسيطر على الأذهان، وتصدح حناجرهم في الدعاء في صلاة التراويح كل يوم، أن يأتي رمضان القادم وقد تبدل الحال إلى أحسن حال.

