بحلول شهر رمضان المبارك، بدأ المواطن الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 بالتحضير لاستقبال الشهر الفضيل كغيره من المسلمين في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي، غير أن كابوسا من المعاناة لازال يلاحقه بفعل السياسة الإسرائيلية الظالمة.
وخلافا لكل عام، وقبل حلول الشهر المبارك بأيام، بدت الأسواق خالية والمحلات التجارية فارغة من المشترين، فالأزمة الاقتصادية التي ضربت "إسرائيل" طالت المواطن العربي الذي يشكو بالأصل من تمييز بالعمل وبطالة استمرت على مدى أكثر من 61 عاما.
ويعاني المواطن الفلسطيني في مناطق النقب والجليل والمثلث من بطالة باتت ملاحظة جدا في صفوف الجيل الشاب حيث يعمل أكثر الشبان العرب في مصانع ومؤسسات إسرائيلية والتي استبدلت المئات منهم بمهاجرين جدد من تايلاند والسودان وأثيوبيا خلال السنوات الماضية.
أزمة اقتصادية
يقول مدير قسم الشؤون الاجتماعية في بلدية كسيفة بالنقب جنوب الأراضي المحتلة عام 1948 عبد الله أبو شريقي: "حدث ولا حرج عن أوضاع أهالي النقب مع حلول شهر رمضان".
وأوضح: "الوضع الاقتصادي يطغى على الجميع ويحاول الأهالي التأقلم مع هذا الوضع منذ سنوات خاصة بعد أن قامت المؤسسة الإسرائيلي بتخفيض مستحقات العائلات من تامين أبنائهم".
وقال : "لا وجود لأي مظاهر تدل على حلول الشهر المبارك في النقب، المحلات التجارية شبه خالية والأسواق شبه معدومة وتعوّد السكان على استقبال رمضان بشكل عادي كأي شهر من أشهر السنة".
وأشار أبو شريقي إلى أن الوضع الاقتصادي في النقب يرثى له حيث قلّت نسبة المشتريات قبل رمضان إلى النصف تقريبا مقارنة مع شهر رمضان في سنوات قد مضت.
وأضاف مدير قسم الشؤون الاجتماعية في تصريح لـ "صفا": "كيف تريد أن يستقبل الناس شهر رمضان وقد وصلت نسبة البطالة إلى نحو 70% في جميع مدن وقرى النقب، فهم يعانون كثيرا، خاصة بعد منعهم من تربية المواشي إلا بعد الحصول على تصاريح خاصة يصعب الحصول عليها في معظم الأحيان".
ويعيش أهالي منطقة النقب الصحراوية على تربية المواشي والدواجن والزراعة، وبدأت المؤسسة الإسرائيلية في الآونة الأخيرة بمنع مربي المواشي من تربيتها دون الحصول على تصاريح خاصة.
وأضاف أبو شريقي: "إن المظاهر الخاصة لشهر رمضان باتت معدومة الآن فلا يوجد زبائن ليشتروا من الأسواق بكثافة كباقي السنوات، لأنه لا يوجد مصانع أو شركات بالنقب لكي يعمل بها الشبان الأمر الذي يرفع نسبة البطالة والفقر في صفوف الأهالي".
ولا يرغب أهالي النقب بالعمل في المصانع الإسرائيلية القريبة منهم وذلك بسبب التمييز العنصري بين الموظف والعامل العربي والعامل اليهودي، إذا يتلقى العامل اليهودي أضعاف ما يتلقاه العربي.
وتابع أبو شريقي قوله: "الناس بدأت الآن ومع حلول شهر رمضان المبارك تتوجه إلى لجان الزكاة والجمعيات المختلفة في الأراضي المحتلة عام 1948 من أجل مساعدتهم على قضاء الشهر المبارك".
وأشار إلى أن المساعدات التي تصل إلى البلديات في النقب من قبل الوزارات الإسرائيلية المختلفة لا تكاد تكفي لإطعام عشرات العائلات من ضمن الآلاف".
وختم حديثه قائلاً:" باختصار الأوضاع في النقب مع اقتراب رمضان مزرية جدا وخاصة في القرى غير المعترف فيها من قبل "إسرائيل" حيث يعاني أهالي تلك القرى من شح الموارد الغذائية التي لا تكاد تصلهم إلا بشق الأنفس".
بطالة وتمييز
ولا تختلف معاناة سكان منطقة المثلث في مركز الأراضي المحتلة عام 1948 عن معاناة أهالي النقب، ولأول مرة منذ عشرات السنوات يهل شهر رمضان على أهالي المثلث وقد نالت منهم الأزمة الاقتصادية الإسرائيلية التي ضربت فلسطينيي 48 أكثر من باقي فئات المجتمع.
وفي ذلك يقول الخبير في الاقتصاد زياد أبو حبلة: "حل شهر رمضان المبارك هذا العام في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد الإسرائيلي وخاصة اقتصاد فلسطينيي 48 الذين يعانون جراء البطالة التي بدأت تتكون لديهم منذ عام 2001 ".
وكانت العديد من المؤسسات الإسرائيلية والمئات من الإسرائيليين اليهود قرروا عدم الابتياع من المصانع والمحلات التجارية العربية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 ومنذ استشهاد 13 شابا عربيا فلسطينيا في الأراضي المحتلة عام 1948 خلال مواجهات مع جيش الاحتلال".
وأضاف أبو حبلة لـ"صفا": "الأزمة الاقتصادية الإسرائيلية نالت من الآلاف من المصانع والمصالح التجارية الصغيرة والتي تتواجد بكثرة في المدن والقرى العربية الأمر الذي أثر بشكل مباشر على حياة المواطن الفلسطيني".
وتوقع انهيار نحو 47 ألف مصلحة ومصنع صغير في "إسرائيل" خلال العام الحالي مما يشير إلى عواقب وخيمة ستنال من المواطن العربي.
وأضاف أبو حبلة:"اقتصاد المواطن الفلسطيني في الداخل يمر بمرحلة صعبة للغاية مع حلول شهر رمضان المبارك وقد بدأ المواطن العربي بالبحث عن مقتنيات رخيصة السعر ليستقبل بها شهر رمضان والتي لا تتوفر في إسرائيل".
ومنذ أن سمحت الحكومة الإسرائيلية لفلسطينيي 48 بالدخول إلى مناطق الضفة الغربية وخاصة مدينتي نابلس وطولكرم بدأ المواطنون العرب بشراء جميع موادهم الاستهلاكية من تلك المناطق وذلك لتدني أسعارها مقارنة مع الأسعار في "إسرائيل".
تحت خط الفقر
ويقول سكرتير لجنة الزكاة القطرية في الداخل الفلسطيني الشيخ باسم غريفات: "حسب الإحصائيات الأخيرة قبل شهر رمضان فان نحو 80 الف عائلة فلسطينية تحت خط الفقر، ونحن في لجان الزكاة نعمل جاهدين على توفير الطعام والغذاء لـ 25 ألف عائلة فقط حيث إنه لم يعد بالإمكان توفير الطعام والمال لجميع العائلات".
ومما زاد الأمر قساوة على المواطنين الفلسطينيين في أراضي "48" المحتلة هو حلول شهر رمضان المبارك واقتراب دخول الطلاب إلى المدارس الأمر الذي أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل مضاعف.
وأكمل الشيخ غريفات خلال حديث لـ"صفا":" إن عدم توفير الفرصة للشاب العربي للعمل والتطور كباقي الشبان في المجتمع الإسرائيلي هو السبب الرئيس لتدهور الوضع الاقتصادي وهو الأمر الأساسي الذي أدى إلى وضع آلاف العائلات تحت خط الفقر".
ولفت غريفات إلى أن سياسة التجويع هذه ما هي إلا سياسة ممنهجة ومدروسة تقوم بها المؤسسة الإسرائيلية لإجبار المواطن العربي على عدم التفكير بغير الطعام.
وأضاف سكرتير لجنة الزكاة القطرية:" الآن في مناطق شمال الأراضي المحتلة عام 1948 لا توجد أي مظاهر تدل على أن شهر رمضان قد حل كالسنوات السابقة".
وتابع: "التجار يصيحون ويشتكون من عدم إقبال المشترين على محلاتهم التجارية والمئات من العائلات تتوجه إلى لجان الزكاة من أجل مد يد المساعدة".
وختم غريفات حديثه قائلا: "الآن الوسط العربي هو من أفقر المجتمعات في "إسرائيل" حيث أن نحو 40% من المجتمع العربي وأكثر من 55% من الأطفال العرب يعيشون تحت خط الفقر، وبهذا الأمر يترعرع الطفل العربي في بيئة فقيرة ولا يعرف مستقبله ولا يحدد حياته كباقي أطفال العالم".
