لم يكن تفكك القائمة العربية المشتركة، التي كانت تجمع الأحزاب الفلسطينية بالداخل المحتل، إلا نتيجة حتمية للتكتّل الذي أُنشأ كإطار تجميعي فقط، بعيدًا عن توحيد الأفكار والجهود.
هذا التفكك الذي بدأ بانشقاق القائمة الموحدة بزعامة منصور عباس، خلق حالة من الإحباط و"نفض الأيدي" وسط فلسطيني الداخل، من التصويت لهذه الأحزاب بسبب صراعاتها على مقاعد الكنيست، كما يقول مختص ومراقب سياسي.
وتفصل الفلسطينيين في الداخل أيام عن انتخابات الكنيست الإسرائيلي الـ25، والخامسة المبكرة، وسط تراجع غير مسبوق عن المشاركة المتوقعة بهذه الانتخابات، بعد تجربة "فاشلة" استمرت سبعة عقود.
وتخوض الأحزاب الفلسطينية انتخابات الكنيست منفردة، بعد تجربة سنوات خاضتها ضمن جسم "القائمة العربية المشتركة".
تجميع أجسام وليس أفكار
ويقول المختص السياسي الكاتب ساهر غزاوي لوكالة "صفا": "إن القائمة المشتركة التي تفككت ويخوض اليوم كل حزب كان فيها الانتخابات وحده، لم تكن أصلًا إلا عبارة عن تجميع لجهود فردية أو قوة عددية جماعية".
ويضيف أن "ما يجري بين هذه الأحزاب معارك وهمية وإنجازات تكاد تصل للصفر، ولّدت لدى أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل الكثير من القناعات التي تثبت بشكل قطعي أن مفاسد الانخراط في هذه اللعبة أكثر من مصالحها".
ومن وجهة نظره، فإن الجماهير الفلسطينية في الداخل، لم تعد تنطلي عليها الشعارات التي تعتمد عليها الأحزاب المشاركة في الكنيست، والتي كانت تستفز الفلسطينيين، حتى يصوتوا لأي حزب كان، من أجل "عدم ضياع حق الفلسطينيين بالداخل في التمثيل داخل الكنيست".
ومن الشعارات المعروفة التي استخدمتها كل الأحزاب "صوت لكيلا تندم"، و"مش مهم لمين…المهم لازم تصوت".
ويؤكد غزاوي أن "هذه الشعارات أصبحت ثقافة مستهلكة لا تجدي نفعًا، بالإضافة إلى أنها مستهترة ومستهزئة بالعقول، يُراد للناس من خلالها ألا ترى الحقيقة التي أصبحت أكثر وضوحًا بالنسبة لهم في هذه المرحلة".
ويقول غزاوي أن الحقيقة تمثلت في قناعة ترسخت أنه وعبر تجربة طويلة عمرها أكثر من 70 عامًا، كان الانخراط في لعبة الكنيست مصلحة متوهمة، ومفاسدها أكثر من مصالحها".
ارتفاع النسبة وانخفاضها
وينتقد الكاتب تشكيل القائمة المشتركة، التي تفككت مؤخرًا، قائلًا: "إن الهدف منها هو كان قائمة واحدة لرفع نسبة الحسم لا غير، وبالفعل ارتفعت نسبة المشاركة في التصويت بين فلسطينيي الداخل إلى 65% وحصلت على 15 مقعدًا، وهو العدد الأكبر بتاريخ فلسطينيي الداخل".
لكن هذه الأحزاب خذلت الفلسطينيين بعد منحها الفرصة، ولم تنتج مشروعًا سياسيًا جماعيًا وتعيد تنظيم المجتمع إلى جانب تحقيق العديد من الإنجازات لصالح المجتمع الفلسطيني في الداخل، حسب غزاوي.
ويرى أن هذه الأحزاب لم تخفق فقط في مشروعها السياسي، بل أدّت إلى تدهوره، حينما ظنت أنها أسقطت اليمين المتطرف، حينما صوتت لليسار.
ويتابع "أسهم خطاب القائمة المشتركة في منح شرعية لنهج منصور عباس لذي التحق بحكومة الاحتلال لاحقًا، بمعزل عن تصنيفها السياسي والأيديولوجي".
وتشير ورقة تقدير موقف أصدرها مركز الكرمل للدراسات السياسية في الداخل الفلسطيني وتلقت وكالة "صفا" نسخة عنها، إلى أن نسبة مشاركة الفلسطينيين تراجعت إلى 45%، وهي النسبة الأقل في تاريخ مشاركتهم.
وتقول الورقة "إن المجتمع الفلسطيني بالداخل لم يعد مهتمًّا بصعود حكومة يمينيّة أو عدم صعودها؛ إذ لم يعد خطاب التخويف من حكومة يمينيّة يؤثّر على الدافعية إلى التصويت لدى الفلسطينيين".
وتبين أن المجتمع الفلسطيني بالداخل، يعتقد أنّ حكومة يمينيّة أو غير يمينيّة لن يكون لأيّ منهما تداعيات مختلفة عن الأخرى بالنسبة له.
وتشير إلى أن استطلاع رأي، قال فيه 75% من فلسطينيي الداخل، إنهم غير قلقين من عودة نتنياهو رئيسًا للحكومة مرة أخرى".
ويقول: "هذا كله نتاج الإخفاق والفشل الذي سببته القائمتين المشتركة والموحدة، أي كل الأحزاب، والتي للأسف لا تعترف بذلك ولا تزال تعلق آمالها وآمال جمهورها على تحقيق مصلحة متوهمة".
وأمام ذلك، فإن غالبية الشعب الفلسطيني في الداخل تولّدت لديه حقيقة تترسخ باستمرار مفادها "أن الانخراط في الكنيست الإسرائيلي مفسدة، وأنه لن يسمح للشعارات الدعائية الممولة بأن تستهتر بعقوله ومشاريعه هذه المرة، لأنه أصبح مقتنعًا بأن تصويته هو ما سيجعله يندم".
