لم يكن قرار شطب حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي اتخذته لجنة الانتخابات في الكنيست الإسرائيلي مؤخرًا، وليد خضم الأحداث الأخيرة أو نتيجة لتبعات متعلقة بالقانون؛ بل خطوة متقدمة في تقطيع أوصال الأحزاب العربية بالداخل الفلسطيني.
ومن المقرر أن تجري انتخابات الكنيست المبكرة وهي الثالثة خلال عام، في نوفمبر.
وتفككت القائمة العربية المشتركة منتصف سبتمبر المنصرم، حيث كانت بداية ذلك بعد أن قدمت كل من الجبهة والعربية للتغيير قائمة ثنائية للجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، في حين قدم التجمع قائمة أخرى منفردة.
واستغلت "إسرائيل" هذا التوجه بتحقيق رغبتها الشديدة التي لطالما كانت بأمس الحاجة إليها، وهي تفتيت الأحزاب العربية، وإحداث شرخٍ بينها، كما تفعل بالجماهير في الداخل، عبر تغليل مافيا الجريمة بينها، كما يؤكد مختصون.
وحاليًا، يواجه التجمع الوطني الديمقراطي معركة حقيقية لإلغاء قرار شطبه، خاصة وأن لهذا الحزب قاعدة جماهيرية ثقيلة وسط فلسطينيي أراضي الـ48.
وكان الباحث المسؤول عن الدراسات المتعلقة بـ"العرب في إسرائيل" في "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة "تل أبيب" دورون متسا، قد حرّض على التجمع قبيل قرار شطبه.
ورأى في مقال له أن "من الضروري إقصاء التجمع بواسطة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير"، قائلًا: "إن هذا سيكون انتصارٌ كبيرٌ للمشروع الصهيوني ويكرس الخط الحديدي الفاصل بين الرغبة الصهيونية في إشراك فلسطينيي الداخل في النظام السياسي للدفع بالاندماج الاقتصادي في إسرائيل".
وأمام تحقيق الحلم الإسرائيلي؛ فإن كل الأحزاب العربية في معركة ليست فقط مع الكنيست والأحزاب الإسرائيلية المتطرفة، التي لا تريد ممثلين عن فلسطينيي الداخل؛ بل مع الجماهير نفسها، التي قد يغض الغالبية العظمى منها، الطرف عن التصويت لأي حزب.
قوة ذات ثقل جماهيري
ويقول القيادي في الحزب والمحامي محمد صبح لوكالة "صفا": "إن شطب التجمع قرار سياسي وانتخابي إسرائيلي بحت، لإسكات صوته لكونه قوة فلسطينية، ترفض أن تكون في جيب اليسار وتحارب اليمين الإسرائيلي".
ويضيف: "إن كل ما يواجهه الحزب بسبب رفضه أن يكون جزءًا من المؤسسة الإسرائيلية، وشعبنا في الداخل يعي هذه الحقيقة تمامًا، ولذلك فنحن بمعركة وسنخوضها لمواجهة هذا القرار بجماهيرنا".
ويقوم التجمع بتحضير طلب للتوجه للمحكمة العليا الإسرائيلية لإلغاء شطبه من الكنيست، وسوف يتم غدًا الثلاثاء تحديد موعد جلسة بهذا الشأن.
ويتوقع صبح بأن يكون موعد الجلسة يوم الخميس المقبل، ويؤكد أن التجمع لديه من مواد القانون والقضاء ما يلغي القرار الإسرائيلي.
ويشدد على "أن قرار شطب التجمع يخلو من أي ادعاءات قانونية، ومن صوّت عليه هو الأحزاب الصهيونية، وهو قرار بتفكيك القائمة المشتركة، بإيحاءات سابقة من معسكر يئير لابيد لشركائه القدامى".
وإلى جانب توجهه للعليا الإسرائيلية لإلغاء القرار، يضع التجمع في جعبته "قرارات وخطوات سيتم الإعلان عنها لاحقًا، حسب القرار الذي ستتخذه المحكمة".
أداء متراجع
المختص بالشأن السياسي مراد حداد يقول: "هناك ثوابت تأسس عليها التجمع منذ 74 عامًا، ولكن الـ4 سنوات الأخيرة، شهدت تراجعًا في أداء الأحزاب العربية عامة".
ويضيف: "أصبح هناك 3 تيارات، فالقائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس توجهت لوحدها، وبقيت المشتركة، لكن التجمع كان في صراع معها حول شرعية دخول الكنيست من عدمه".
يكمل: "لهذا فإن الجميع نسي أن تمثيله في هذا المكان الذي عليه خلاف، وهو الكنيست الإسرائيلي، كونه منبر لحكومة احتلال تصدر قوانين عنصرية ضد شعبنا".
لذلك فإن الشرخ الذي حدث بين الأحزاب وتولد ثلاث تيارات، كانت نتيجة لهذا النسيان، وأن الجميع أصبح يتسارع وستسابق على النجومية، من وجهة نظر حداد.
نفض الجماهير
وأمام الواقع المرير للقائمة؛ فإن الجماهير الفلسطينية بالداخل وبالغالبية العظمى من المحتمل ألا تذهب لأي مشاركة أو تصويت لأي حزب بالانتخابات المقبلة.
يضيف "الجماهير أصبحت ترى بأنه لم يعد هناك أجندة وبرنامج سياسي لا على مستوى الاحتلال أو السلطة أو المقاومة أو الجولان ولا المواطن نفسه في الداخل، وأن الأمر أصبح خلافًا بين أعضاء كنبيت على معسكر يمين أو يسار".
ويشهد الداخل تراجعًا وسط الفلسطينيين تجاه المشاركة في هذه الانتخابات بسبب فشل تجارب الأحزاب في نيل حقوقهم القومية والمدنية طول الأعوام السابقة، بسبب عنصرية الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة.
يُذكر أن خلافات تشهدها مركبات القائمة المشتركة سابقًا منذ حوالي شهرين، خاصة بين الجبهة والتجمع، أدت لانسحاب الأخير من المشتركة.
وعلى أثر الانسحاب أعلن التجمع اعتزامه عن خوض الانتخابات مفردًا بسبب معارضته التوصية على أي من رؤساء الحكومة الإسرائيلية، وهو ما لحقه صدور قرار إسرائيلي بشطب التجمع من القوائم المشاركة بالانتخابات المقبلة.
تجدر الإشارة إلى أن القائمة الموحدة برئاسة منصور عباس كانت قد انشقت عن القائمة المشتركة قبل عامين، وخاضت انتخابات الكنيست بمارس العام المنصرم بقائمة مستقلة، وانضمت للائتلاف الحكومي الإسرائيلي، وهو ما جوبه برفضٍ واستنكارٍ شعبيٍ ورسميٍ وسط فلسطينيي الـ48.
