لم تنتظر مجموعات "عرين الأسود" وحدات اليمام الإسرائيلية لتقتحم البلدة القديمة بمدينة نابلس؛ فخرجت إلى ما بعد أطراف المدينة ونفذت سلسلة عمليات إطلاق نار استهدفت قوات الاحتلال والمستوطنين.
ولم يكن عبثًا أن يختار مقاومو "عرين الأسود" ذكرى مرور سبع سنوات على ما عرف بعملية "إيتمار" لإعادة انتاج تلك العملية في التوقيت والمكان ذاته.
وجاءت عملية "إيتمار" الأولى التي نفذتها خلية تابعة لكتائب القسام في الأول من أكتوبر 2015 ردًا على جريمة إحراق عائلة دوابشة، وأسفرت عن مقتل مستوطنين، وكانت آنذاك شرارة انطلاق انتفاضة القدس.
أما العملية الأخيرة، فقد استهدفت حافلة ومركبة للمستوطنين، وجاءت في ذروة اعتداءات المستوطنين وجرائم الاحتلال خاصة في القدس وجنين ونابلس.
ويرى مراقبون أن العمليات الأخيرة لعرين الأسود حملت أكثر من رسالة ودلالة وفي أكثر من اتجاه.
وأولى تلك الرسائل موجهة للاحتلال الذي اغتال عددًا من قادتها ونشطائها خلال الشهور الماضية، وآخرهم سائد الكوني الذي استشهد بكمين نصبته قوات خاصة لمقاومين حاولوا تنفيذ عملية إطلاق نار على مستوطنة "براخا" الجاثمة على جبل جرزيم.
وفي هذه العملية رسالة تحد للاحتلال، مفادها أن "أسود العرين" لا تنتظر العدو ليقتحم عرينها، بل تخرج إليه وتهاجمه في مأمنه، وليس ذلك ليلا فحسب، بل أيضا في وضح النهار.
كما توجه رسالة للسلطة التي اعتقلت المطارد مصعب اشتية أحد قادة العرين، في محاولة لإضعاف هذه المجموعات.
وتقول الرسالة للسلطة إن تلك المجموعات مصرّة على مواصلة طريقها وترفض عروض السلطة لهم بالحصول على عفو من الاحتلال وتفريغهم على الأجهزة الأمنية مقابل إلقاء السلاح.
أما الرسالة الثالثة فهي رسالة وفاء للمطارد اشتية ابن بلدة سالم شرق نابلس والتي جرت العملية الأخيرة على مقربة منها.
ما هي "عرين الأسود"؟
وحتى شهور قليلة مضت، لم يكن اسم مجموعات "عرين الأسود" معروفًا، رغم تداول المواطنين أسماء عدد من المقاومين الذين اشتهرت أسماؤهم بعد أن داهمت قوات الاحتلال منازلهم في أحياء المدينة دون أن تتمكن من اعتقالهم ليتحولوا إلى مطاردين.
ومنذ أوساط العام المنصرم، لم يعد اقتحام دوريات الاحتلال لأحياء المدينة يمر بهدوء؛ بل أصبح يواجه بعمليات إطلاق نار، ما أشعل ضوءًا أحمر لدى الاحتلال بوجود خلايا مسلحة تتشكل بهدوء.
وفي الثامن من فبراير الماضي، اغتالت قوة خاصة ثلاثة شبان عندما باغتت المركبة التي كانوا يستقلونها بحي المخفية بنابلس، ومزقت أجسادهم بالرصاص.
وتبين أن الشهداء الثلاثة هم أدهم مبروكة الملقبة بـ"الشيشاني" ومحمد الدخيل وأشرف المبسلط، فيما نجا إبراهيم النابلسي من تلك العملية.
ويعتبر مراقبون أن تلك الجريمة كانت نقطة البداية في تشكل مجموعات "عرين الأسود" تحت هذا الاسم لتكون البلدة القديمة بنابلس هي عرينهم.
وبقدر ما كانت تلك الجريمة قاسية ومروعة؛ إلا أنها كانت دافعًا للعديد من الشبان للالتحاق بصفوف المقاومين.
وبقي اسم "عرين الأسود" متداولاً في إطار ضيق إلى حين محاصرة قوات الاحتلال لمنزل بحارة الياسمينة بالبلدة القديمة كان يتحصن بداخله مجموعة من المقاومين والذين نجح معظمهم بالانسحاب فيما استشهد محمد العزيزي أحد مؤسسي المجموعات والمقاوم عبد الرحمن صبح.
وبعد أسابيع قليلة استشهد قائد المجموعات إبراهيم النابلسي ورفيقه إسلام صبوح باشتباك مسلح مع قوات الاحتلال التي حاصرتهما داخل منزل بحارة الحبلة بالبلدة القديمة وقصفته بالصواريخ.
معضلة للتنسيق الأمني
وتشكل مجموعات "عرين الأسود" معضلة أمنية للاحتلال ومستوطنيه، وفي ذات الوقت تسبب الحرج للسلطة التي تواجه صعوبة في مواجهة هذه الظاهرة الفريدة من المجموعات المقاومة.
ورغم أن الخلايا المشتركة التي تتشكل من عدة أجنحة مقاومة ليس بالأمر الحديث، لكن ما يميز "عرين الأسود" في نابلس كما هو حال كتيبة جنين، هو انضواء مقاومين ليس لدى معظمهم ارتباطات تنظيمية بالفصائل القائمة.
وتضم هذه المجموعات مقاومين ينحدرون من عائلات محسوبة على فتح وحماس والجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي لكنهم ليسوا مؤطرين تنظيميًا فيها، بالإضافة لآخرين ليس لديهم ميول حزبية واضحة.
كما تضم بعض الأسرى المحررين كالمطارد اشتية المعروف بانتمائه لحركة حماس ومحمد طبنجة المعروف بانتمائه للجبهة الشعبية.
ويتميز أعضاء هذه المجموعات بإصرارهم على رفض التبعية لأي فصيل، رغم ترحيبهم بأي دعم يقدمه لهم أي من الفصائل، ويؤكدون في وصاياهم أنهم يعملون تحت راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
ونجحت هذه المجموعات في بعث روح المقاومة في أجيال من الشبان والفتية الذين يلتفون حول هؤلاء المقاومين ويضعون صورهم قلادات في صدورهم ويرددون الأناشيد والأهازيج التي تمتدح بطولاتهم.
أضف إلى ذلك؛ الشعبية الكبيرة التي باتوا يحظون بها، حيث تجد الأجهزة الأمنية صعوبة بالغة في تبرير ملاحقتهم.
وهذا ما تجلى عند اعتقال المطارد اشتية، إذ تسبب ذلك باندلاع احتجاجات شعبية واسعة امتدت لبقية محافظات الضفة، وقابلتها السلطة بعنف شديد، ما أدى لمقتل مواطن وإصابة آخرين وزجت بعشرات الشبان في سجونها.
وتشير التسريبات الأخيرة إلى أن السلطة وفي محاولتها لنفي عجزها عن ملاحقة مجموعات "عرين الأسود" توصلت إلى اتفاق مع الاحتلال لتقاسم الأدوار والتعاون المشترك ضد "عرين الأسود"، حسب زعم ألون بن دافيد، المراسل العسكري للقناة 13 العبرية.
وبموجب الاتفاق، يتم توزيع الأدوار، بحيث تعمل أجهزة السلطة ضد هذه المجموعات داخل نابلس فيما تعمل قوات الاحتلال ضدهم خارجها.
لكن ليس واضحا ما إذا كانت إسرائيل ستمضي قدما بهذا الاتفاق في الوقت الذي تجد الحكومة الإسرائيلية نفسها تحت ضغط المستوطنين على أبواب انتخابات الكنيست والذين طالبوها بشن حملة "السور الواقي 2" للقضاء على المقاومة.
