مقدسيون مبعدون للداخل.. الطفل "أبو ناب" نموذج يحكي "الحال"

طمرة - خــــاص صفا

أن يتحول منزل غير منزل صاحبه، في مدينة ليست مدينته، إلى "سجن وعزل" مسلوخًا فيه الإنسان من أدنى حقوقه، فهذه حالة لا يواجهها سوى الفلسطيني، ويجسدها اليوم الطفل صهيب أبو ناب.

ففي إحدى منازل بلدة طمرة في الداخل الفلسطيني المحتل، يقبع الطفل المقدسي أبو ناب (15 عاماً)، رهينًا لأمر إداري احتلالي مفتوح، يقضي بإبعاده عن البلدة القديمة.

واعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي أبو ناب قبل نحو ثلاثة أشهر، وبعد مسيرة بالمحاكم، قررت إطلاق سراحه، بشرط إبعاده عن القدس إلى طمرة، وتحويله للحبس المنزلي وفرض غرامة مالية بقيمة 1000 ألف شيكل.

مفتوح

وينقل أبو ناب لوكالة "صفا" مشهد الإبعاد، قائلًا: "من حوالي 3 شهور اعتقلوني من مكان عمل أبي حينما كنت معه، وحققوا معي بصورة همجية، وتعرضت لتعذيب طوال وجودي في مركز المسكوبية".

ويضيف "بعد أسابيع بالمحاكم، أبعدوني عن البلدة القديمة، بسبب أنني شاركت في المظاهرات حول المسجد الأقصى، وحتى لا أعيد المشاركة مرة أخرى، من وجهة نظرهم".

وإلى جانب الإبعاد خرج صهيب من الاعتقال بعد فرض غرامة 5000 شيكل، بحال خرجت من المنزل، كما فرضوا 60 ألف شيكل كفالة مالية لإطلاق سراحه.

وانتهكت سلطات الاحتلال بإبعاد صهيب عن بلدته، كل الحقوق التي كفلتها القوانين الدولية، وأبرزها حرمانه من بيته أو تنقله، والأكثر إيلامًا على قلب صهيب "مدرسته".

يقول: "حينما أبعدوني كان موعد الامتحانات النهائية للفصل الثاني، وحرموني منها، فلم أتقدم لها والمدرسة راعت ظرفي وتنتظر خروجي لتقديمها".

ويتواصل صهيب مع زملائه في مدرسة الحسن الثاني، ومن المقرر أن يُرفع للصف العاشر، مع بدء الفصل الدراسي الأول بعد أقل من شهر، وذلك في مدرسة الراشدية في باب الساهرة بالقدس.

ويقول: "لا مدرسة ولا خروج من البيت، واليوم أقضي في الإبعاد والحبس المنزلي حوالي 90 يومًا، وما يوجعني أنهم لم يحددوا فترة زمنية معينة".

جدول حياة الإبعاد

وعن كيفية قضائه هذا الحبس، يقول "أنا معي الله أنيسي، أحفظ القرآن الكريم، وأقرأ الكتب التي أحبها، لكن ليست كتب مدرسية، وأقرأ قصص، وأتواصل مع أصحابي".

ومنذ إبعاده من القدس لطمرة، لا يغادر مكان إبعاده إلا لـ"مشواريْن" كما يقول، وهما "فقط المحكمة والتحقيق، وهناك جلسة مع مرشدة اجتماعية للاطلاع على وضعي".

ويقتدي صهيب في تنظيم وقته داخل عزله، بوالده، الذي يشجعه على تنويع نشاطاته، وكما يقول: "هو من وجهني لحفظ القرآن، وهذا كنز بالنسبة لي، كما أنني أحاول ممارسة الرياضة كي لا تتعب نفسيتي داخل البيت".

وبنبرة المحن لمسقط رأسه يردد: "أريد أن أعود لبلدتي ومدرستي، أشتاق لكل شيء هناك، لحارتي لأهلي لأصحابي لكتبي، لكل شيء، والله فقط معي".

ويعوّل صهيب على محاميه الذي من المقرر أن يتقدم بطلب لدى محكمة الاحتلال بتحوليه إلى الحبس المنزلي في البلدة القديمة بالقدس، على أمل أن تتراجع سلطات الاحتلال على قرار الإبعاد، وأيضًا تحديد وقت زمني.

يقول بألم "سيتقدم أيضًا بطلب حتى أخرج للمدرسة حينما تبدأ المدارس، وكل شيء بيد رب العالمين".

رفع الوتيرة لهواجس أمنية

ورفعت سلطات الاحتلال مؤخرًا من استعمالها لأوامر إدارية تقضي بإبعاد مقدسيين عن القدس إلى بلدات في أراضي الـ48 المحتلة، دون أن تكشف عن تفاصيل هذه القرارات، كما يقول رئيس مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان بالداخل المحامي عمر خمايسي.

ويؤكد لوكالة "صفا" أن سلطات الاحتلال تمس بهذه الأوامر، أبسط الحقوق التي كفلته الشرائع والقوانين المحلية والدولية، وأولها حق التنقل والعيش في بلد الشخص الأصلي.

ويشير إلى أن حق التنقل أصبح مرهونًا وتتحكم به سلطات الاحتلال، في معظم المدن الفلسطينية، وللأسف هناك ارتفاع في استعمال أوامر الإبعاد الإدارية لمقدسيين من القدس للداخل، ولفلسطينيين من الداخل لبلدات أخرى.

وعن أسباب هذا النوع من الإبعاد، يجزم خمايسي بأن محاكم الاحتلال تتعامل مع ما يسمى "مواد سرية"، مضيفًا "حتى حينما يتم الطعن في القرار والدفاع عن المبعد، لا يتم التعامل معنا بشفافية، أو إيضاح تبعات أو أسباب هذه الأوامر".

لكنه يؤكد عدم قانونيتها، وأن الاحتلال يتخذها "كإجراء تعسفي لكي يضغط أكثر وأكثر على الفلسطيني أينما كان".

"ويبدو جليًا أن الهواجس الأمنية هي التي تسيطر على مصدري هذا النوع من الأوامر الإدارية، خاصة وأنهم لا يكشفون لنا كمحامين أي تفاصيل"، يقول خمايسي.

وفي ذات الوقت، يريد الاحتلال أن يحوّل منازل الفلسطينيين إلى "سجون ومعتقلات، فقد كان الإبعاد للمقدسي عن المسجد الأقصى، ثم تطورت الأوامر إلى الإبعاد عن البلدة القديمة، ثم عن القدس، وهكذا، في تصعيد لهذه السياسة".

والبادي من حديث خمايسي، أن الاحتلال يعيش هاجسًا أمنيًا، ويحاول ردع الشبان، عقب الأحداث والهبة التي شهدتها القدس وكل المناطق خلال العام المنصرم، والتي امتدت حتى ما بعد شهر رمضان الماضي، دفاعًا المسجد الأقصى ولمواجهة العدوان عليه وسياسات الاحتلال ومحاولاته فرض التقسيم المكاني والزماني فيه.

ر ب/ط ع

/ تعليق عبر الفيس بوك