web site counter

لم يجدوا سلاحًا لمواجهة العصابات الصهيونية

معاصرون للنكبة يروون لـ"صفا" شهادات اقتلاعهم من ديارهم

غزة - فضل مطر - صفا
ما تزال تفاصيل قرية المجدل حاضرة في مخيلة المسنة يسرا لبد (86 عامًا)، إذ لم تغب عنها يومًا بساطة الحياة الريفية وجمالها من جهة، ومأساتهم حين هجّرتهم العصابات الصهيونية قسرًا عام 1948 من جهة أخرى، في جريمة إنسانية مروّعة حوّل 75% من الفلسطينيين إلى لاجئين خارج ديارهم وقراهم التي استولت عليها العصابات الصهيونية وأقامت عليها الكيان الإسرائيلي.
وتشرّد خلال أحداث النكبة في 15 مايو/أيار 1948 نحو مليون فلسطيني من بيوتهم هائمين على وجوههم بين مخيمات المعاناة واللجوء، تاركين ممتلكاتهم خلفهم، هربًا من المجازر والفظائع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين، واستجابة لوعود بإنقاذهم وطرد الغزاة من أرضهم وديارهم.
مجازر مرعبة
وكانت الحاجة "أم محمد" تبلغ من العمر 12 عامًا حين وقعت "النكبة"، قبل أن يتم اقتلاع عائلتها وآلاف العائلات الفلسطينية من قراها بالجرائم والمجازر التي استولت من خلالها العصابات الصهيونية على ثلثي فلسطين بمساعدة من الانتداب البريطاني.
وتقول لبد، في حديثها لمراسل وكالة "صفا": "حين كنّا في قرانا، خلال أحداث النكبة هجمت الطائرات الصهيونية وبدأت بإطلاق وابل كثيف من النيران فوق القرى؛ ما دفع الكثير لترك بيوتهم والهرب بعيدًا عن الموت، ومنهم من لم يستطع بعد أن تم قصف عشرات البيوت بشكلٍ وحشي".
وتستذكر أول ضربةٍ تعرّضت لها قرية المجدل بعد أن قصفت الطائرات منطقة "الجرن" بشكلٍ مباغت، ليرتقي حينها عشرات الشهداء، قائلةً "صرنا نشوف الأشلاء بالطرق؛ وصابتنا حالة شديدة من الهلع والخوف".
وعلى مدار شهرين متتاليين لم يتوقّف القصف والعدوان على قرية المجدل والقرى المجاورة؛ مما تسبب بموجة نزوح كبيرة لعشرات العائلات الفلسطينية، خشية من القتل وفقدان أبنائها.
وتقول المسنة لبد بحسرة "ذكرى النكبة تمر عليّا كل عام كالكابوس السيء الذي أريد أن ينتهي، تركت قريتي وخرجت برفقة عائلتي مشيًا على الأقدام وصولاً إلى قطاع غزة، حيث احتضننا أبناء شعبنا وعشنا بينهم حتى يومنا هذا".
وتضيف "خرجنا من بيوتنا فقط بملابسنا الشخصية فقط، تركنا أملاكنا وذهبنا ولم نأخذ معنا شيء من هول الخوف ومشهد الرعب الذي دبّته العصابات الصهيونية في قلوب الفلسطينيين حين اقتلعونا من بيوتنا بالقوة".
وتتابع حديثها "نزحنا إلى غزة على أمل أن ينتهي العدوان بعد عدّة أيام لنعود إلى قرانا، لكنّنا إلى اليوم لم نستطع العودة إليها"، متسائلة بحسرة "أي ظلم وقهر ومعاناة عشناها والعالم كان يقف كالمتفرّج على مأساتنا؟".
وتستذكر لبد تفاصيل الحياة البسيطة في قرية المجدل، قائلة "كنّا نعيش من الغلّة -كل ما يحصل عليه المزارع من ريع الأرض- اللي بنزرعه بناكل منه، وكنّا نبيع من الغلة نكسي ولادنا، واللي بدو يتجوز أبناؤه أيضًا من الغلة"، مشيرة على أنّ سوق المجدل مثار جذب لأبناء القرى المجاورة، حيث كان يشتهر أبناء المجدل بالزراعة والنسيج والخياطة.
ولم تفقد المسنة لبد للحظة يقينها وإيمانها الراسخ بالعودة إلى ديارها يومًا ما، مضيفة "قصتنا مع اليهود مستمرة ليوم القيامة، ففلسطين آية في كتاب الله، وبإذن الله نحن سننتصر عليهم وسترجع إلنا القدس؛ لأن ذلك وعد إلهي لنا".
إيمان بالتحرير والعودة
بدوره، يؤمّل المسن عبد الله صيام (95عامًا) نفسه بالعودة إلى قرية "الجورة" التي هُجّر منها قسرًا كحال عشرات القرى من حوله، معربًا عن إيمانه الراسخ بأنّ التحرير والعودة وعد لا بد وأن يتحقق، سواء شاهد تلك الأحداث بعينه أم حضرها أبناؤه وأحفاده من بعده، مشددًّا على أنّ الحق لا يسقط بالتقادم.
ويُعتبر المسن صيام أكبر المعمرين من قرية الجورة في قطاع غزة، حيث ترك القرية برفقة والدته حين كان عمره 18 عامًا بعد اشتداد غارات الطائرات الصهيونية على القرية؛ لتأخذه والدته عبر البحر بقارب صيد وصولاً إلى غزة؛ حفاظًا على حياته بحكم أنّه ولدها الوحيد.
ويسكن صيام جنوب مدينة غزة، وقد أنجب 8 أبناء وله قرابة 50 حفيدًا، موضحًا أنّه قد أصّل أمجاد قريته وممتلكات عائلته في نفوس أحفاده للعودة إلى ديارهم ومعرفة أراضيهم التي تركتها عائلته قسرًا.
ويستذكر المُسن لحظات تهجيره وعائلته وأهل قريته قسرًا قائلا "قبل الهجرة بأيام لجأ إلى قرية الجورة قرابة 70 مهاجرًا من يافا واللد، وبعدها بأيام باغتتنا العصابات الصهيونية بهجوم أدّى إلى مقتل العشرات من أبناء القرية والمهاجرين الذين لجأوا إليها".
ويلفت إلى أنّ رجال القرية وشبابها دافعوا عنها ببسالة، ولكنّ ضعف تسليحهم والقوة الغاشمة التي كانت تمتلكها العصابات الصهيونية كانا سببين رئيسيين في سقوط القرية وبداية مرحلة نكبتهم.
ويستذكر تفاصيل حياتهم البسيطة في قرية الجورة، قائلًا "كنا عوائل أشبه ما نكون بالأقارب، كنا نسهر عند بعضنا البعض والمحبة موجودة بيننا، كنا نزرع العنب والقمح والشعير، ونصدره للقرى المجاورة".
ويؤكد أنّ ذكريات قرية الجورة لم تذهب عقله ووجدانه يومًا ما، وأحيانًا تأتي هذه الذكريات ليلًا وتسلب منه النوم، معربًا عن أمله بالعودة إلى الديار.
شراء السلاح
وبرغم كبر سنّه وهرمه، إلّا أنّ روح المقاومة ما تزال متّقدة في صدر المسن محمد الحلو (97 عامًا)، مختار قرية بيت جرجا.
ويذكر الحلو أنّه هُجّر من قريته إبّان النكبة حين كان يبلغ من العمر 20 عامًا، مُستذكرًا مقاومة أبناء قريته والقرى المجاورة للعدوان الغاشم الذي نفّذته العصابات الصهيونية.
ويقول الحلو في حديثه لمراسل صفا "كانت هذه العصابات تأتي ليلاً على القرية وتطلق رشقات من النيران بشكل شبه يومي، ونحن لم يكن معنا سوى العصى والسواطير ندافع بها عن أنفسنا وهي أسلحة بدائية".
ويذكر أنّ عائلته وعوائل أخرى من القرية بدأوا بجمع الأموال، وابتعثوا رجلًا منهم إلى مصر لشراء السلاح؛ كي يدافعوا عن أنفسهم وأرضهم، مضيفًا "كل شخص دفع فلوس تم إعطاؤه بارودة (بندقية) مقابل ذلك"، لافتًا إلى أنّ بقية القرى بدأت تحذو حذو قريتهم في شراء السلاح "حتى حصلت كل قرية على 4 بواريد (بندقية)" على الرغم من أنّ ثمنها كان مرتفعًا كثيرًا.
ويؤكّد المختار الحلو أنّ العديد من أبناء قريته بيت جرجا وأبناء القرى المجاورة وفّروا المال لشراء السلاح "إمّا عبر بيع ذهب نسائهم أو رهان أراضيهم وبيع ممتلكاتهم"، مشدّدًا على أنّ ذلك يدحض المزاعم التي تقول إنّ الفلسطينيين باعوا أراضيهم وهربوا.
ويضيف "صرنا نتواصل مع القرى المجاورة لنخرج مع بعض ونطلق نيران مع بعض على الاحتلال، ولكن سلاحنا لم يكن شيئًا أمام المدرعات الفولاذية الإسرائيلية".
ويختتم المسن الحلو حديثه بالقول إنّ العودة والتحرير "لن يكونا إلاّ بتحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، ولن تقوم لهذه الأمة قائمة إلا بالعودة للدين والإيمان والوحدة".
ع و

/ تعليق عبر الفيس بوك