"اليرموك".. منصّة تجارية أسبوعية لـ"الشروات".. وقذائف الدبابات!

غزة - خـــاص صفا

ما إن تبزغ شمس كل يوم جمعة، حتى يتقاطر محبّو التسوق في قطاع غزة إلى قبلتهم التجارية في سوق "الحرية" الشعبي، أو الذي حافظ على تسميته القديمة والمعروفة بسوق "اليرموك".

هذا السوق الكائن في وسط شارع الوحدة، أحد أهم ثلاثة شوارع رئيسية في مدينة غزة، لا يشهد غياب مرتاديه أسبوعيًا إلا في حالتين فقط؛ كالظروف الجوية البالغة السوء كاشتداد الأمطار، أو تصعيد عسكري بين المقاومة وجيش الاحتلال.

ويندر لمرتادي السوق الذي تأسس صيف العام 2010، إغفال أي ركنٍ من زواياه والتفافاته التي تمتلئ بشتى الأصناف والمعدات والأشياء، حتى تلك التي لا يمكن أن تخطر على بال المتسوق، وسط ضجيجٍ هائل من مكبرات الصوت التي يستخدمها الباعة، أو حتى الصدح بحناجرهم لاجتذاب زبائنهم، وخصوصًا لدى باعة الطيور والدراجات الهوائية والملابس المستخدمة وحتى الهواتف النقالة.

فمن مدخله الجنوبي المُعبّد، يبدأ باعة الشجيرات ونباتات الزينة والأواني المنزلية عرض بضاعتهم، مرورًا بباعة الأحذية والملابس وحتى المكسرات والحلويات، حيث يحفظ كلٌ منهم مكانه منذ سنوات، لا يُنازعه فيه أحد بعد أن ينصب معرّشه سريعًا إيذانًا ببدء البيع.

ويُعرف سوق اليرموك بزهد المعروض منه من أمتعة وبضائع، وخصوصًا المستخدمة منها؛ سواءً المورّدة من المحافظات الأخرى أو الضفة الغربية أو حتى المورّدة من أسواق الكيان الإسرائيلي والمعروفة باسم "شروة" أو "شروات"، وهي بضائع مشتراة من تلك الأسواق بسعرٍ زهيد وبحالة جيدة، ويُعاد بيعها في الأسواق الشعبية في القطاع، وخصوصًا في أكبرها هنا في "اليرموك".

ويعتقد مرتادو دهاليز هذا السوق الكثير التشعّب، أنهم غالبًا ما يجدون ضالتهم مهما صغرت أو كبرت هنا، وخاصةً قطع الغيار المستخدمة، لاحتياجاتهم المنزلية أو الأثاث أو النجارة أو السباكة أو الحدادة وكل شيء، إلا أن غياب يقظة المشتري أو البائع اللذان قد يتبادلان الأدوار في لحظةٍ ما قد يوقعهما في "الحظ" لأشياء قد تعمل أو لا تكون كذلك بفعل عطلٍ صغير أو كبير في المعدات الكهربائية مثلاً، حيث يُريح البائع ويتنصّل من المسؤولية بالقول: "كب للبحر"، وهي عبارة تتردد مفادها أنني غير مسؤولٍ عنها بمجرد قبض ثمنها.

وما يميّز هذا السوق "السريالي" أن لا شيء يحكم ترتيبه العام من ناحية نوعية البضاعة المعروضة؛ فقد تجد بائع محركات مضخات المياه المستخدمة يعرض ما لديه على الأرض بجانب بائع قواميس للغة الفرنسية والألمانية، فيما يتوسطهما أحدهم يعرض أحجارًا بازلتية ملساء، ومن خلفه بسطة خشبية تصطف عليها عشرات زجاجات طلاء الأظافر ويقابلهم شخصٌ يبيع رأس قذيفة مدفعية فارغة بطول 70 سنتمترًا!

تلك "العشوائية" في المعروضات تمنح لزبائن "اليرموك" شغفًا وفضولاً لاكتشاف المزيد من الغرائب بين زواياه. وعلى الرغم من جهود بلدية غزة في محاولاتها لتنظيم السوق عبر بناء محالٍ صغيرة وبأجورٍ زهيدة؛ إلا أن الباعة آثروا الجلوس أمام أبوابها وعرض ما لديهم على الأرض.

1.jpg

وما سنسرده هنا ليست دعوةً للجهات المسؤولة للتدخل، بقدر ما هو مثيرٌ للغرابة وجزمٍ بجهل مالكها؛ فأمام تلك المحال، لا يمكن للمتسوق "الجديد" من غير العارفين بخبايا السوق سوى الوقوف طويلاً أمام بعض البضاعة التي لا يُمكن تخيّل أنها يمكن أن تباع أو يُعاد بيعها؛ مثل أدوية منتهية الصلاحية أو شارفت على الانتهاء تُباع بنحو 10% من ثمنها الحقيقي، أو حتى "ضبّة" أسنان اصطناعية بحالةٍ جيدة، أو نسخٍ قديمة من مجلة "الإيكونوميست" اللندنية (نصف شيكل للنسخة بدلاً من 11 دولارًا) مرورًا بكيلوجرامات من قشور الفستق الحلبي التي قد تُستخدم في أعمال الزخارف أو حتى لوحة فنية للمغنّي الأمريكي الشهير في حقبة السبعينات "بوب مارلي" وهو يدخّن لفائف الماريغوانا" ويقول: "ستكتشف أعماق ذاتك عندما تدخّن الحشيش"، وليس انتهاءً بشمعداناتٍ توراتية استخدمت في أعيادٍ يهودية!

ولـ"اليرموك" سُمعة أساء البعض استخدام التسمية بشكلٍ دُعابي؛ فترى أحدهم يُعلق مازحًا سواء في الحياة العامة أو حتى على مواقع التواصل الاجتماعي عن شيء لا يُعجبه بأن هذا من "سوق اليرموك"، في إشارةٍ إلى أن السوق "كوكب للغرائب واللامنطق".

ومن غرائب هذا السوق، أن العملية التجارية قد تنقلب أحكامها وأدوارها في أية لحظة؛ حيث يتحول البائع إلى مشترٍ، فيما قد يكون الزبون بائعًا في لحظة ما، بمجرّد أن يُعجب أحدهما ببضاعة الآخر والمسارعة بالسؤال: "للبيع هذا يا خال"؟.

أ ك

/ تعليق عبر الفيس بوك