على مدخل مخيم العروب شمالي الخليل تستقبلك جدارية "حارس المخيم"، وعبر أزقته الضيقة التي تكاد تعبرها منفرداً، تتنقل بين رسومات تحمل ملامح الوطن وتسرد حكايا التشرد واللجوء.
تجاعيد جده حاملاً مفتاح منزله في الرملة المحتلة، وسلاسل الأسر وجنائز الشهداء، وملثم مطارد بين أزقة المخيم، وكفّ طفل بريء يضع حجراً في وجه جندي مدجج بالسلاح، تلك المشاهد التي كبر عليها الفنان الشاب محمد الراعي وحرص على إحيائها على جدران المخيم.
ويقول الفنان الراعي لوكالة "صفا" إن جدران المخيم بمثابة معرض متجدد لرسوماته، يعبّر من خلالها عن مشاهد وصور يراها منذ طفولته.
ويضيف عن بداية موهبته "كنت أرسم على جدران المنزل والمركبات المغبرّة، أينما وجدت مساحة فارغة كنت أملأها بصورة استقرت في ذهني حينها".
وكان الشاب الموهوب يدخر من مصروفه المدرسي ليوفر تكاليف الألوان وعلب الرش، متحديًا الظروف المادية الصعبة في ذلك الوقت.
تطورت موهبة محمد وأصبحت رسوماته جزءًا أساسيًا من الفضاء البصري للمخيم، وصار يحكي بها روايته حول اللجوء، ويعكس عبرها حلم أبناء المخيم بالعودة، ويكرم بها الأسرى والمقاومين والشهداء.
ويقول الشاب الفنان إنه رسم العديد من الرمزيات التي تعكس الثوابت الوطنية، ورسم الشهداء تخليدًا لذكراهم في عدة مخيمات وبلدات من بينها مخيم جنين ويعبد.
ويتابع "رسمت ومجموعة من الأصدقاء لكل أسرى المخيم، رمزيات تعبر عن القوة والصبر، وأسرى النفق في مخيم جنين ويعبد والخليل وأماكن أخرى تكريماً لهؤلاء الأبطال".
ويرى الراعي أن رسوماته تضفي جمالية للمخيم، وتعطي شعورًا بالقوة للأهالي وتبقي على الصورة التي يحارب ويناضل لأجلها ويحرص على توريثها للأجيال المقبلة.
ويشكل فن الرسم على الجدران أو "الغرافيتي" أحد أهم وسائل المقاومة الشعبية، وبرز استخدامه في الانتفاضتين حيث كانت الجدران وسيلة لإعلام المواطنين والتواصل معهم، لدعوتهم للمشاركة في التظاهرات والفعاليات الوطنية، وكانت قوات الاحتلال تحارب هذا الفعل الشعبي المقاوم.
ولم تسلم جداريات الراعي من استهداف إسرائيلي، إذ محت قوات الاحتلال إحدى الجداريات التي رسم عليها صورة الملثم على مدخل المخيم، كما تعرض لمضايقات بعد رسمه جدارية لمحمد الضيف القائد العام لكتائب القسام على أحد جدران المخيم.
ويلفت الراعي إلى خصوصية بيئة المخيم، موضحًا "أن حياة المخيم من جميع نواحيها تذكره بشكل يومي في هويته كلاجئ، وتزخر بمشاهد وصور يستلهم منها رسوماته".
