اصطدم الراعي الفلسطيني إبراهيم الأعسم بقوات الاحتلال الإسرائيلي وهي تقطع طريقه أثناء رعيه ماشيته في أراضي تل السبع الشاسعة، وتطلب منه التوقف وتجميع المواشي "فورًا".
وقال الجنود، الذين يرتدون بزّات عسكرية قاتمة اللون ويحملون أسلحة أوتوماتيكية، للأربعيني الأعسم: "أخرج بطاقتك أنت ترعى في منطقة ممنوعة".
احتدم الجدال بين الأعسم وجنود الاحتلال، وحاول وقتها التواصل مع أبنائه ومعارفه لمحاولة إنقاذ الموقف بعد أن قرر الجنود مصادرة المواشي أو تغريمه.
ويروي الأعسم لوكالة "صفا" تفاصيل ما حدث معه بقوله: "لم أكن في منطقة ممنوعة، كنت أرعى في أراضي تل السبع وهي أراضي فلسطينية وملكيتها لعائلاتنا، وأقصدها منذ زمن لأرعى الأبقار والخيول، واليوم يطلبون مني أن أدفع حتى أرعاها أو أن تُصادر بداعي أنني أرعى في أرض ممنوعة".
وجاء في قرار التغريم، الذي تسلّمه الأعسم بعد انتهاء الجدال، أنه "يرعى في منطقة حرشية"، وهي الأراضي التي تزرعها سلطات الاحتلال لوضع اليد عليها دون أي سند قانوني، ضمن هجمتها المسعورة على أراضي النقب.
ويشير الأعسم إلى أن سلطات الاحتلال غرّمته 400 شيكل (125 دولارًا) عن كل رأس ماشية، وأمهلته لدفعها أسبوع أو مصادرة الماشية.
هدف استراتيجي لـ"إسرائيل"
حادثة الأعسم وذئاب الاحتلال في مراعي النقب واحدة من آلاف الحوادث التي يتعرض لها مربو المواشي، والتي زاد "سُعارها" خلال الشهرين الماضيين.
ويكشف المسؤول في المجلس الإقليمي لقرى النقب مسلوبة الاعتراف معيقل الهواشلة في حديث لوكالة "صفا" عن أسباب استهداف مربي المواشي في النقب، والذين يصفهم بأنهم "هدف استراتيجي لإسرائيل".
ويقول: "استهداف هذه الفئة البسيطة من أبناء النقب كان قديمًا، لكن في الفترة الأخيرة زادت وتيرته بشكل جنوني وبأساليب ملاحقة جديدة تفوق قدرة واستيعاب الرعاة والمزارعين".
ويضيف "من بين مزاعمهم في استهداف هؤلاء أنهم يشكلون خطرًا على الطرقات العامة، وأن هناك خشية من اجتياز المواشي لها وهذا محض افتراء وكذب، لأن الرعاة يرعون في أراضٍ واسعة ومعظمهم في القرى مسلوبة الاعتراف التي تبعد كل البعد عن الطرق الرئيسية".
وبالرغم من وصول الرعاة إلى بلدات تضم شوارع رئيسية وطرقًا عامة كتل السبع ورهط، إلا أنهم لا يقتربون من الأراضي القريبة من الشوارع الرئيسية، بل إنهم يبعدون عنها آلاف الدونمات، كما يؤكد الهواشلة.
مزاعم الملاحقة
ومن مزاعم الاحتلال الجديدة باستهداف الرعاة أنهم يرعون في "منطقة عسكرية" وهو ما يفنده أيضًا الهواشلة بالقول: "لا يوجد مناطق عسكرية في أراضينا التي هي ملك لنا، وكل ما في الأمر أنهم وبكل بساطة يستطيعون إطلاق اسم منطقة عسكرية على أي مكان يريدونه".
ومما يتعرض له الرعاة أيضًا في الآونة الأخيرة ملاحقتهم بزعم أن الأراضي التي يرعون فيها "حرجية" وهي التي يتم وضع اليد عليها بزراعتها بأشجار حرجية، حتى يتم منع أصحابها من الاستفادة منها أو الوصول إليها.
وتتجاوز الحدود في استهداف هؤلاء الرعاة العقل، إذ وصل بالاحتلال الأمر إلى تدفيعهم إيجارات لنقل المواشي إلى الأماكن "المسموح فيها الرعي"، وهذه الإجراءات حديثة وتم تنفيذها عليهم.
وبالإضافة لذلك؛ "فإن أي راعٍ يدخل "منطقة حرجية" يتم تغريمه 500 شيكل (156 دولارًا) على كل رأس إبل يتم مصادرته، وفي حال تم مصادرة كل القطيع فإن الغرامة المفروضة تبلغ 20 ألف شيكل".
ويقول الهواشلة "هذه التضييقات مبتدعة لتكريه البدو في الثروة الحيوانية التي يعتاشون عليها منذ مئات السنين، بالإضافة إلى أن هذه الغرامات والإيجارات تشكل مصدرًا ماليًا كبير لدوائر الاحتلال المنتشرة في النقب".
ولتصل سلطات الاحتلال إلى هذه المرحلة كانت قررت إغلاق المكان المخصص لتجمع الثروة الحيوانية للرعي في النقب، والتي كان يقصدها الرعاة والمزارعين.
الملاحقة بالموسم الذهبي
ويُعد الربيع الفصل الذهبي بالنسبة للرعاة بالنقب "كونه الموسم الوحيد الذي تأكل فيه المواشي من خيرات الطبيعة بالمجان، كما يقول عضو اللجنة الشعبية بقرية أم الحيران رائد أبو القيعان.
ويوضح في حديثه لوكالة "صفا" أن رعي الماشية في هذا الفصل الجميل يخفف عنهم التكاليف الباهظة لثمن الأعلاف التي يضطرون لشرائها طوال العام بسبب ملاحقة الاحتلال لهم من جهة، وطبيعة أراضي النقب الصحراوية من جهة أخرى.
لكن مع السياسات الاحتلالية الجديدة في استهداف مربي المواشي، لا يرى أبو القيعان أنه سيشكل موسمًا ذهبيًا.
ويقول: "لم يعد الرعي في الأراضي الخضراء تلقائيًا أو فيه البركة بسبب هذه الملاحقة، فتارة هي أرض عسكرية وتارة أخرى أراضٍ حرجية، خاصة ونحن أمام هجمة تحريش ومصادرة واسعة منذ أشهر بالنقب".
وبالرغم من هذه الملاحقة إلا أن البدو الرعاة متمسكون بمصدر عيشهم الوحيد، الذي توارثوه عن أجدادهم، ويدفعون ثمن هذه الثروة التي تزعج الاحتلال، حتى لا يفقدوها.
وبالإضافة لذلك، فإن الرعاة على وعي بأن ملاحقتهم تأتي ضمن مخطط التضييق الشامل على أهل النقب لحصرهم في أضيق مساحة ممكنة وكثافة سكنية عالية، كما يؤكد أبو القيعان.


