حالت نخوة أصحاب حفارات، دون وقوع مجزرة بحق أموات وشهداء مقبرة عز الدين القسام بمدينة حيفا بالداخل الفلسطيني المحتل، كانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بيتت لارتكابها، ومن بينها قبر الشهيد عز الدين القسام.
ويكشف أصحاب الحفارات وحراس ومسؤولون بحيفا لوكالة "صفا" عن تفاصيل ما حدث في المقبرة قبل يومين، وسط إشادة بشهامة أصحاب الحفارات والجرافات بالدرجة الأولى، والذين كان إبلاغهم عن الجريمة بمثابة النجدة للمقبرة.
وتعتبر مقبرة القسام كبرى المقابر في فلسطين وتبلغ مساحتها 47 دونمًا، وتقع في قرية بلد الشيخ التي هجّرت عام النكبة 1948، جنوب شرق مدينة حيفا وتبعد عنها 7 كلم.
كذبة هدم سياج أرض
ويقول صاحب الجرافة المسماة -تراكتور-الذي اتصل على لجنة الأوقاف بحيفا فور دخول الجرافات والحفارات للمقبرة: "اتصل بنا مقاول يهودي وطلب جرافة وحفارات، وأخبرنا بأنه يريد هدم سياج لأرض عادية وبعض عمليات التجريف فيها".
ويضيف (ق.أ) في شهادته لوكالة "صفا" "تفاجأنا فور وصولنا للمقبرة بأن المقاول يتبع لشركة كيرور أحزكوت الإسرائيلية، وحين سألناه عن مكان التجريف؛ فطلب تجريف سياج المقبرة من ناحية السكة الحديدية، أي من خلف المقبرة وليس البوابة".
ويتابع "رفضنا على الفور، وكل الشباب أصحاب الحفارات الذين جاءوا معي غضبوا للأمر، وحدثت مواجهة بالأيدي بيننا وبين المقاول ومسئولي الشركة، وفي حينها اتصلت سريعًا على لجنة الأوقاف وأبلغتهم بالأمر".
ويؤكد أن لجنة الأوقاف والعشرات من الشباب استجابوا على الفور لندائه، قائلًا: "هذا فضل من الله أن سخرنا لتلك المهمة كي نكشف جريمتهم المبيتة".
استغلال مغادرة الحارس
ويروي حارس المقبرة سامر دلاشي لوكالة "صفا" تفاصيل اقتحام الاحتلال للمقبرة مستغلًا مغادرة الحارس: "كنا في أعمالنا والحارس المناوب نهارًا كان غادر المقبرة الساعة العاشرة صباحًا كون الحراسة ليلية".
ويضيف "وصلنا اتصال هاتفي باقتحام المقبرة وبدء عملية تجريف؛ فتوجهنا مباشرة ووجهنا نداء لعشرات الشباب للحضور، وتفاجأنا بوجود الحفارات والجرافات، وأن المقاول وضع أوتاد حول المساحة المستهدفة".
ويصف اتصال أصحاب الجرافات قائلاً: "بطبيعة الحال معظم من يعملوا بالحفارات من الفلسطينيين، وبحمد الله كانوا أصحاب نخوة وشرف ورفضوا؛ بل إنهم اشتبكوا مع المقاول، وعلمنا مؤخرًا أن صاحب جرافة التراكتور هو من اتصل بنا لإنقاذ المقبرة".
ويتابع "وصلنا في الوقت المناسب، ولولا اتصال ذلك الشهم لوقعت مجزرة في المقبرة بوضح النهار".
ويؤكد أنه وبالتزامن مع حضور الشباب تلبية لنداء إنقاذ المقبرة، حضرت قوات من شرطة الاحتلال والمخابرات العامة للمكان.
ويشدد دلاشي على أن الحراس "تعلموا الدرس من الحادثة الخطيرة وتم تعيين حراسة نهارية للمقبرة، لتكون عليها لمدة 24 ساعة حتى لا تتكرر".
وتحمل المقبرة اسم القسام نسبة لضريح الشهيد عز الدين القسام، وسبق أن تعرضت لاعتداءات ومحاولات لمصادرة أرضها وتم تداول قضيتها في أروقة المحاكم الإسرائيلية بعدما ادعت شركة إسرائيلية أنها اشترت جزءًا منها (15 دونما) مما تسمى "دائرة أراضي إسرائيل" وفق اتفاقية أولية في خمسينيات القرن الماضي.
إلا أن قضاء الاحتلال الإسرائيلي لم ينصف في قضية المقبرة وتم إصدار قرار بمصادرة المساحة المذكورة، ومنذ ديسمبر عام 2021 الماضي أقيمت خيمة اعتصام دائمة فيها بالإضافة لحراسة مشددة منعًا لتنفيذ قرار محكمة الاحتلال.
ما كان مبيتاً
حجم التواجد الجماهيري والالتفاف حول المقبرة أفقد قوات الاحتلال الأمل بعمليات التجريف؛ فانسحبت برفقة المقاول وممثلي الشركة الاحتلالية تحسبًا لمواجهات، كما يؤكد عضو لجنة متولي الأوقاف بحيفا فؤاد أبو قمير.
ويقول أبو قمير لوكالة "صفا": "إن المقبرة لم تكن متروكة، ففيها خيمة اعتصام دائمة وحراسة، لكن الحراسة بطبيعتها ليلية، وهو ما استغلته قوات الاحتلال واقتحمت المقبرة من ناحية السكة الحديدية".
ويؤكد أن الخرائط التي تم العثور عليها إلى جانب الأوتاد التي تم وضعها في المقبرة، أكدت، وفق مختصين ومهندسين، أن عمليات التجريف والحفر كانت تستهدف مساحة كبيرة تتعدى حتى المساحة التي يريدون مصادرتها.
ويضيف "العملية كانت تستهدف مقابر شهداء وأموات وأطفال ومن بينها قبر الشهيد عز الدين القسام وبجانبه عدد من القبور التي هي خارج المساحة المستهدفة بالمصادرة".
مدلولات الخرائط تعكس الهدف التهويدي للمقبرة، وأن الموضوع بالنسبة للشركة الاحتلالية ليس مجرد مساحة أرض، وإنما مسألة عنصرية ومجزرة مبيتة للانقضاض على مقابر شهداء لطالما دافعوا عن فلسطين ويشكلون رمزًا للصمود.
ويشيد أبو قمير أيضًا ببسالة سائقي الحفارات في إنقاذ المقبرة، ويصف ذلك بقوله إن: "الاتصال الشجاع والحضور القوي خاصة للشباب الذين هم العمود الفقري لأي نضال لحماية المقدسات، كان رسالة قوية أرغمت الاحتلال على الانسحاب".
ويتابع "حضرت شخصيات تفاجأت بحضورها السريع، من بينها الشيخ رائد صلاح وأعضاء كنيست سابقين، فمن لبّوا النداء شكلوا درعًا حاميًا للمقبرة".
شرطة الاحتلال اتصلت في حينه على متولي لجنة الأوقاف وحاولت تهديدهم وتحذيرهم من تحول الأوضاع إلى مواجهات بظل تخوفات من ذلك.
وكان رد اللجنة حسب أبو قمير "أن ما يحدث رسالة لكم وأنتم من تقررون تحولوها لمعركة من عدمها، ومقبرة القسام قنبلة متفجرة لأنها خط أحمر، ولن تنسحب الجماهير إلا بمغادرتكم لها".
ويشدد على أن الحماية الشعبية فرضت مغادرة الاحتلال للمقبرة، مؤكدًا أن الحراسة تعززت لتكون على مدار الساعة، وأن الاعتصام فيها لن يقف إلا بإيجاد حل لما يحاك ضدها من مؤامرات، قائلًا: "لن نغادرها إلا بالحل الذي نفرضه نحن وهو رفع أيديهم تمامًا عن المقبرة".
