تسعى الجمعيات الاستيطانية إلى الاستيلاء على منازل المقدسيين وممتلكاتهم في قلب مدينة القدس المحتلة عبر "تشريعات تمييزية"، بدعم رسمي من حكومة الاحتلال الإسرائيلي، تمهيدًا لتغيير طابع الأحياء العربية وصبغها بطابع استيطاني.
وعلى مدار سنوات ماضية، تمكنت الجمعيات المتطرفة من فرض آلاف المستوطنين على الأحياء العربية داخل البلدة القديمة وأسوارها، من خلال الاعتماد على "قانون أملاك الغائبين"، أو طرق وقوانين أخرى.
ومنذ الثمانينيات، وجمعيات الاستيطان تحاول الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية في القدس من أجل تغيير طابع الأحياء ومنع "اتفاق الدولتين" في المستقبل، بحسب تقرير أصدرته حركة "السلام الآن" الإسرائيلية.
وقالت: إن "الحكومة الإسرائيلية تُمول من خلال وزارة الإسكان، حراسًا خاصين للحماية الحصرية للمستوطنين في الأحياء الفلسطينية بمبلغ نحو 100 مليون شيكل سنويًا (3000 شيكل شهريًا لكل مستوطن)".
وأشارت إلى أنه "وفي جميع الحالات تقريبًا، كانت هذه العقارات مملوكة لفلسطينيين، وغالبًا ما تعتمد طرق الحصول على هذه الحقوق على تشريعات تمييزية".
وبهذا الصدد، أوضحت أن هذه التشريعات تعتمد على "قانون أملاك الغائبين"، كما حدث أكثر من مرة في بلدة سلوان بما في ذلك قضية عائلة سمرين التي تواجه الإخلاء، أو قانون "الشؤون القانونية والإدارية" (1970)، الذي يسمح بـ"استعادة" الممتلكات التي كان يملكها اليهود قبل عام 1948.
بؤر خطيرة
المختص في شؤون القدس جمال عمرو يقول لوكالة "صفا" إن سلطات الاحتلال وجمعياتها الاستيطانية تستهدف القدس وبلدتها القديمة تحديدًا، كونها ملاصقة للمسجد الأقصى المبارك، لذلك تُولي أولوية قصوى لعمليات الاستيلاء على منازل وممتلكات المقدسيين في تلك المنطقة.
ويضيف أن الاحتلال انفرد بالقدس القديمة ومحيطها بزرع آلاف المستوطنين فيها، وتحديدًا في حي المغاربة وحارة الشرف التي تم الاستيلاء عليها وطرد سكانها الأصليين، بالإضافة إلى توطين هؤلاء المستوطنين في بلدة سلوان ووادي حلوة والشيخ جراح وغيرها.
ويشير إلى أن المستوطنين تسللوا عبر قانون "حارس أملاك الغائبين"، وبطرق ملتوية وعبر أساليب التحايل والالتفاف، لأجل الاستيلاء على أملاك المقدسيين وعقاراتهم في البلدة ومحيطها، وطرد سكانها منها عُنوةً.
وبحسب عمرو، فإن البلدة القديمة أصبحت تشكل بؤرة خطيرة لإرهاب المستوطنين وعُنفهم ضد المقدسيين، وتحديدًا سكان البلدة، من خلال التضييق والاعتداء المتواصل عليهم، والتنغيص على حياتهم بكل الوسائل والطرق الممكنة.
ويتابع "نحن أمام دولة مارقة عنصرية وفاشية تدعم الجمعيات الاستيطانية والمستوطنين في السيطرة على ممتلكات المقدسيين، وخاصة تلك الملاصقة للأقصى، كي تكون جسرًا لعبور كافة المستوطنين للمسجد المبارك".
ويلفت إلى أن المستوطنين استولوا على نحو 84 عقارًا داخل البلدة القديمة، وتحديدًا في الحيين الإسلامي والمسيحي، وبدعم من حكومة الاحتلال.
ويقول المختص في شؤون القدس: "كل شيء بات مستباحًا في البلدة، وسماسرة الاحتلال يحاولون البحث عن أي نقطة ضعف لاختراق النسيج الاجتماعي المقدسي".
وفي المقابل، يؤكد أنه رُغم إدراج منظمة "يونسكو" البلدة القديمة ضمن لائحة التراث العالمي المهددة بالخطر، إلا أنها لم تتمتع بأي حماية دولية، بل على العكس تتعرض لأبشع الانتهاكات الإسرائيلية ومحاولات تهويدها.
طابع يهودي
أما مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري فيقول لوكالة "صفا" إن الاحتلال زرع نحو 4 آلاف مستوطن داخل البلدة القديمة، وخاصة فيما يسمى "الحي اليهودي"، وتم بناء كنس يهودية في البلدة، أحدها على شكل قبة الصخرة.
ويوضح أن ذلك يأتي ضمن الخطط التهويدية لمدينة القدس ومنحها الطابع اليهودي، لافتًا إلى أن هناك ممتلكات تم الاستيلاء عليها بادعاءات مختلفة أو عبر تزوير أوراق، أو بادعاء ملكية قديمة لليهود قبل عام 1948، وهذا "شيء مقلق للغاية".
ويشير إلى أن المستوطنين استولوا على أملاك في سلوان، و"مدينة داوود" التي تتوسع يوميًا، وما تزال مجريات العمل مستمرة في تلك المنطقة، مما سيكون لها تأثر كبير بحيث سيصل جزء منها تحت البلدة القديمة عبر الأنفاق، وجزء آخر سيصل إلى حائط البراق.
ووفق الحموري، فإن خطورة الاستيطان لا تقتصر على البلدة القديمة، بل يستهدف كل مناطق القدس، بما فيها حي الشيخ جراح الذي يتعرض لهجمة غير مسبوقة من المستوطنين.
ويستهدف الاحتلال والجمعيات الاستيطانية البلدة القديمة تحديدًا، بهدف الاستيلاء على المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وبناء "الهيكل" المزعوم.
ويؤكد الحموري أن الاحتلال يُخطط إلى جلب 300 ألف مستوطن جديد إلى مدينة القدس، وطرد السكان المقدسيين.
تداعيات بعيدة
وبحسب حركة "السلام الآن"، فإنه "في الواقع، لا يمكن إخلاء الفلسطينيين دون مساعدة الشرطة الإسرائيلية في عملية شبه عسكرية لها تداعيات أمنية فورية وطويلة الأجل"، مؤكدة أنه "اتضح أن الشرطة تشارك دائمًا بشكل مباشر في إخلاء العائلات الفلسطينية لغرض دخول المستوطنين".
وأكدت أن "التداعيات بعيدة المدى للاستيطان وعمليات الإخلاء في الأحياء الفلسطينية في القدس تتجلى بوضوح من قوة الصدى الدولي الذي لقيته في قضية الشيخ جراح".
وأشارت إلى أنه "لا يجوز أن تكون الحكومة والجمهور الإسرائيلي رهينة مجموعة من المستوطنين الذين يحاولون فرض واقع جديد وخطير في القدس، وإذا وافقت المحكمة على إخلاء مئات الفلسطينيين من سلوان والشيخ جراح، ستكون الحكومة قادرة على منع ذلك على الفور لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة العليا، المتمثلة في الحفاظ على الأمن ومنع الاستفزازات الخطيرة في القدس، الشرطة لديها الأدوات للقيام بذلك".
وذكرت أن "إسرائيل" صادرت منذ عام 1967 حوالي 24 ألف دونم في القدس، كلها تقريبًا من الفلسطينيين، لغرض إقامة مستوطنات إسرائيلية مثل "راموت" و"جيلو" و"بسغات زئيف".
وأضافت "يمكنها اليوم مصادرة حوالي 20 دونمًا من المستوطنين في الشيخ جراح وسلوان للسماح للسكان الفلسطينيين بمواصلة العيش في المنازل التي عاشوا فيها منذ عقود، ومنع تهجيرهم" إن أرادت .
