web site counter

وكالة "صفا" تفتح الملف

شهادات تطعيم لغير المطعّمين بالضفة.. فرصة للثراء بغير حساب

نابلس - خــاص صفا

ليس ضروريًا أن تتلقى التطعيم المضاد لفيروس كورونا فعلاً لكي تحصل على شهادة تطعيم رسمية صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية بالضفة الغربية ممهورة بختمها، فإذا كنت تملك المال يمكنك ليس فقط أن تحصل على هذه الشهادة، بل وأن تحدد نوع التطعيم الذي تلقيته افتراضيًا.

وهذه الشهادة ليست مزورة، بل حقيقية 100% إذ تصدر عن النظام المحوسب لوزارة الصحة، ولهذا لا يمكن لأحد اكتشاف حقيقتها حتى بالعودة إلى قاعدة البيانات الخاصة بالوزارة.

يحدث هذا بوجود أشخاص في المجتمع يرفضون الحصول على التطعيم مطلقًا، ووجود قلّة من الموظفين الفاسدين الذين يتقاضون رشاوى عن كل شهادة يصدرونها بغير وجه حق.

غالبية زبائنهم أشخاص لا يؤمنون بجدوى الطعوم المضادة لفيروس كورونا أو ممن يخشون من آثارها الجانبية، أو أنهم لا يثقون في صلاحية الطعوم المتوفرة لدى وزارة الصحة، وبعضهم لا زال غير مقتنع حتى الآن بوجود فيروس كورونا وخطورته.

ويلجأ أمثال هؤلاء للحصول على شهادات تطعيم بطرق غير مشروعة عند الرغبة بالسفر إلى دول يتطلب السفر إليها الحصول على هذه الشهادة، كالسعودية والإمارات مثلاً.

كما يستخدمها الراغبون باستصدار تصاريح دخول للأراضي المحتلة عام 1948 بغرض العمل أو السياحة أو العلاج.

ويستخدمها كذلك بعض موظفي المؤسسات التي تلزم موظفيها بالحصول على الطعم.

وتحاشيًا لافتضاح أمرهم، لا يتواصل الموظفون المرتشون مع زبائنهم مباشرة، وتنحصر علاقتهم مع وسطاء يشكلون حلقة الوصل بينهم وبين الزبون.

وليس من السهل الوصول إلى هؤلاء الوسطاء، فهم لا يعلنون عن أنفسهم ولا يروجون لخدماتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويتطلب الوصول إليهم بحث مضن.

وبعد جهد كبير استطاعت "صفا" الوصول إلى (أ.ج) وهو أحد الوسطاء الذين يعملون بهذا المجال، وقد وافق على الحديث إلينا بشرط عدم الإفصاح عن هويته.

ويستغل (أ.ج) علاقاته ومعرفته الشخصية ببعض الموظفين في وزارة الصحة بالضفة من خلال عمله السابق بالوزارة، لاستصدار شهادة تطعيم لمن يطلبها مقابل مبلغ من المال.

وقال لوكالة "صفا": "أتقاضى 500 شيكل عن كل شهادة تطعيم، وقد يرتفع المبلغ أو ينخفض بحسب الوضع المادي للزبون".

وأضاف "لا يكاد يمر يوم دون أن يتواصل معي شخص يطلب شهادة تطعيم له أو لآخرين".

وبين أنه يتخذ الكثير من الإجراءات لضمان عدم اكتشاف أمره، كأن يسأل الزبون عن كيفية معرفته به؟، ومن أين حصل على رقم هاتفه؟"

خدمة إنسانية أم استغلال!

ويرفض اعتبار ما يقوم به ابتزازًا واستغلالاً لحاجة هذه الشريحة من الناس، ويعتبر أن ما يقوم به هو خدمة إنسانية لأشخاص لا يؤمنون بالتطعيم ولا يمكن إجبارهم على تغيير قناعاتهم الشخصية، وفق قوله.

وقال إن "من يدفع مبلغ 500 شيكل ثمنا لشهادة تطعيم هو شخص بكل تأكيد مقتنع بخطر الطعوم، وهو مستعد لدفع أي شيء يجنبه المخاطرة بصحته كما يعتقد".

وأضاف الوسيط "حصتي من كل شهادة تطعيم هي 100 شيكل فقط، وباقي المبلغ يذهب لموظف وزارة الصحة الذي يساعدني بإصدار الشهادة".

وأشار إلى أن أحد زبائنه رجل أعمال لا يريد أخذ الطعم وفي الوقت نفسه يريد السفر إلى دولة خليجية، ما يعني حاجته لشهادة تطعيم.

وبين أن هذا الشخص يمارس حياته كالمعتاد دون اتخاذ أي احتياطات للوقاية من الفيروس كغالبية الناس، وحصوله على شهادة تطعيم بهذه الطريقة لن يغير شيئا من الواقع.

طُعم مختلف

المواطن الذي عرّف عن نفسه باسم "جابر" قال إنه لجأ إلى أحد الوسطاء للحصول على شهادة تطعيم "فايزر" مضطرًا.

وأضاف لوكالة "صفا" إنه سبق له الحصول على طعم "سبوتينك لايت"، لكنه بعد أن بدأ بإجراءات التسجيل لأداء مناسك العمرة، فوجئ بأن السلطات السعودية لا تعترف بهذا النوع من الطعوم.

ولا يرى جابر وجود تناقض بين الحصول على شهادة تطعيم بطريقة غير مشروعة لاستخدامها في تسهيل أداء عبادة دينية.

وأردف "عمليًا أنا حصلت على الطُعم اللازم لأحمي نفسي وغيري، لكني كنت بحاجة إلى شهادة بطعم مختلف تعترف به السعودية".

متطلب للعمل

الشاب الذي اكتفى بالتعريف عن نفسه باسم "علاء" من إحدى بلدات جنوب نابلس، قال لوكالة "صفا" إنه لجأ لهذه الطريقة رغم علمه بأنها غير مشروعة، لحاجته لاستصدار تصريح عمل في الداخل المحتل.

وأوضح أنه حصل على الجرعة الأولى من طعم "فايزر" في شهر أيار/ مايو الماضي، وتعرض لمتاعب صحية مؤلمة قرر على إثرها عدم تلقي الجرعة الثانية.

وذكر لوكالة "صفا" أنني "علمت من عمال آخرين بإمكانية الحصول على شهادات تطعيم دون الحاجة لأخذ الطعم فعلا، وساعدوني في ذلك".

وأضاف "لم يكن أمامي سوى أن أدفع 400 شيكل للحصول على الشهادة أو أن أجلس في البيت بلا عمل".

ثغرات بالنظام

من جانبهم، يقر المسؤولون بوزارة الصحة بوجود شبهات بوقوع حالات إصدار شهادات بطريقة غير مشروعة.

مدير عام وحدة الرقابة الداخلية بوزارة الصحة د. فراس الأطرش أكد لوكالة "صفا" أن لديهم معلومات وإشارات بهذا الشأن، لكن لم يكن هناك دليل إثبات أو طرف خيط يمكن من خلاله الوصول إلى الموظفين الفاسدين.

وأوضح أنه لا يمكن التحقق الكترونياً من الشهادات التي صدرت بطريقة غير مشروعة، لأن البيانات الخاصة بأصحابها أدخلت بطريقة صحيحة إلى النظام.

وقال "لكشف المتلاعبين نحن بحاجة إلى تعاون من أشخاص لديهم ضمير وجرأة يزودونا بطرف خيط".

وأكد استعداد وحدة الرقابة للتعاون الكامل في حال توفر طرف خيط من أجل الوصول إلى من يقف خلف إصدار هذه الشهادات ومحاسبتهم.

وأوضح أنه إذا تم معرفة اسم شخص ممن حصلوا على شهادات بطريقة غير مشروعة، فيمكن معرفة الموظف الذي أدخل بياناته للنظام أو على الأقل الجهاز المستخدم.

لكن هذا قد لا يعطي نتيجة أكيدة، إذ إن اسم المستخدم الواحد قد يستعمله أكثر من موظف، ومع ذلك فيمكن حصر الاشتباه بعدد محدود من الموظفين وفي أي مديرية.

ويتضح بأن هناك ثغرة بالنظام تتيح تسجيل عمليتي تطعيم أو أكثر في نفس الوقت مع أن هذا غير واقعي، إذ لا يمكن إعطاء جرعتين لشخص بيوم واحد.

وقال الأطرش: "بسبب ضغط العمل لا تستطيع الطواقم إدخال البيانات في نفس اللحظة، فيضطرون أحيانًا إلى إدخالها للنظام بعد يوم أو أكثر".

وأوضح أنه "لوضع حد لمثل هذه التجاوزات، طلبنا في وحدة الرقابة أن يتم إدخال البيانات إلى النظام ضمن شروط معينة وبمدى زمني غير مفتوح، فلا يعقل أن يتم إدخالها بعد شهرين مثلا".

وتقوم طواقم التطعيم بإدخال بيانات متلقي الطعوم يدويًا وإلكترونيًا، ما يعني إمكانية اكتشاف أي تلاعب من خلال مقارنة السجلات الورقية مع السجل الالكتروني وأعداد الطعوم المستخدمة.

لكن الأطرش يبين أن هذه الطريقة لن تكشف التلاعب بالضرورة، إذ يمكن إخفاء العدد اللازم من الطعوم للوصول إلى تطابق الأرقام.

وأكد أنهم يدرسون الكثير من الأفكار لمعالجة الثغرات التي يستغلها المتلاعبون، لكنه يقول: "للأسف من يتلاعب لديه قدر كبير من الذكاء بحيث يتغلب على أي إجراءات".

غياب الأدلة

ورغم أن هذه التجاوزات خرجت من السر إلى العلن، إلا أن المؤسسات الناشطة في مجال النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد تقف أمامها عاجزة بسبب عدم امتلاكها أدلة ملموسة على ذلك.

هامة زيدان، مديرة مركز المناصرة والإرشاد القانوني في الائتلاف من أجل النزاهة "أمان" قالت لوكالة "صفا" إن معلومات وصلتها بشكل شخصي حول وجود عمليات شراء لشهادات التطعيم.

وأضافت أن "الائتلاف لم تصله شكوى رسمية بهذا الشأن، ولا يمكنه التحرك بدون وجود وثيقة رسمية تثبت حصول هذه التجاوزات".

وأوضحت أنه في مثل هذه الحالات يتم مراسلة وزيرة الصحة للسؤال عن الإجراءات التي تتخذها الوزارة لضمان عدم حصول ذلك.

م ت/غ ك

/ تعليق عبر الفيس بوك