تثار تساؤلات في الساحة الفلسطينية حول جدوى عقد اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمزمع تنظيمه في السادس من فبراير/شباط المقبل، في ظل مقاطعة واسعة من فصائل وازنة بالمنظمة، إضافة لمطالبات شعبية بعدم عقده؛ باعتبار أنّ الدعوة إليه تأتي دون توافق وإجماع وطني.
وأعلنت ثلاثة فصائل بارزة في منظمة التحرير هي "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، و"الجبهة الشعبية-القيادة العامة"، و"طلائع حزب التحرير الشعبية" مقاطعتها الاجتماع، فيما لم تحسم "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" أمر مشاركتها بعد.
ويرى مراقبون أنّ المقاطعة الواسعة لاجتماع المركزي تأتي بسبب "حالة التفرد" التي تمارسها قيادة السلطة وحركة فتح منذ أعوام، ولأنّ هذه الفصائل لم ترَ هدفًا وطنيًا من عقده، بل تسعى "فتح" من ورائه إلى ترتيب بيتها الداخلي.
حالة تفرد
وبهذا الصدد، يقول الكاتب والمحلل السياسي ساري عرابي لوكالة "صفا" إنّ مقاطعة الجبهة الشعبية لاجتماع المركزي ليس القرار الأول من نوعه، إنّما هذا سلوك تاريخي للشعبية منذ سبعينيات القرن الماضي.
ويضيف "الشعبية تعتبر أنّ ما تسميه بالقيادة المتنفذة في منظمة التحرير تتفرد بإدارة المنظمة، وتستخدمها في إطار فئوي ضيق، والجبهة كان لها قرارات مماثلة عندما كانت المنظمة حاضنة ثورية".
ويوضح عرابي أنّ "الأمر الآن بات أخطر؛ لأنّ المنظمة لم تعد حاضنة ثورية بسبب تعطيلها؛ فمنذ العام 2018 لم يدعَ المجلس المركزي، وهذا يخالف اللائحة الداخلية التي تنص على أنّ المجلس يجب أن ينعقد كل 3 شهور على الأقل".
ويعتقد أنّ "هناك مسافة واسعة بين القيادة الحالية لمنظمة التحرير والجبهة الشعبية التي هي تنظيم مقاوم وثوري على عكس مشروع التسوية التي تتبناه المنظمة".
ويعتبر عرابي أنّ المشاركة – لو حدثت - من الفصائل خصوصًا "الشعبية" بثقلها السياسي ودورها التاريخي، يعني إعطاء شرعية لتلك الممارسات المتفردة، وهو الأمر الذي لا تريد الجبهة تمريره، "لاسيما أن الهدف من عقد الاجتماع ليس هدفا وطنيا عاما وإنما ترتيب البيت الفتحاوي الداخلي لفتح وإدارة الخلافات الفتحاوية".
ويتابع "حركة فتح وجدت أنّ عقد هذا الاجتماع أمر لا مفر منه؛ لأنّها تنظر إلى أهمية ترتيب المرحلة القادمة ومرحلة ما بعد الرئيس، وتصعيد بعض الشخصيات لشغل الشواغر في منظمة التحرير والمجلس الوطني".
وتبحث فتح من خلال جلسة "المركزي"، بحسب عرابي، عن إطار له طبيعة شرعية لترتيب المرحلة، فهي استدعت المنظمة لأخذ الشرعية منها، لاسيما أنّها ألغت الانتخابات العامة العام الماضي، وفق رأيه.
ويبيّن المحلل السياسي أنّ هذا الأمر حدث في 2009 عندما انتهت ولاية الرئيس عباس فجرى حينها استدعاء "المركزي" لتجديد الشرعية له، وهذا "سلوك غير قانوني".
ويؤكّد عرابي أن فتح حريصة على حضور الشعبية وتوفير أكبر غطاء لقراراتها، ولكن ستبقى مُصرّة على عقده مهما بلغت المقاطعة، لأنها لا تجد وسيلة لترتيب أمورها الداخلية سوى بتلك الطريقة.
مجلس صوري
من جانبه، يرى الأكاديمي والمحلل السياسي وائل المناعمة في حديثه لوكالة "صفا" أنّ هذه المقاطعة تأتي في "سياق طبيعي بسبب نهج الرئيس محمود عباس القائم على تهميش وتقزيم منظمة التحرير ثم استخدامها أداة لمحاربة خصومه وإقصائهم وتقريب الموالين له".
ويقول المناعمة إنّ المجلس المركزي أخذ قرارات في جلسته الأخيرة عام 2018، أهمها تعليق الاعتراف بـ"إسرائيل" ووقف التنسيق الأمني لكن لم يتم تنفيذ أي منها، "وبالتالي أصبح هذا المجلس صوريًا لا يتخذ قرارات ذات قيمة على الأرض".
ويضيف "عقد الاجتماع يأتي لاستكمال حالة التفرد والإقصاء من حركة فتح، لاسيما أن الحاضرين لا يتجاوزون 20 بالمائة من الشعب الفلسطيني، بينما يقاطعه أكثر من 80 بالمائة".
ويوضح أنّ حركة "فتح" تريد إضافة حسين الشيخ في إطار المنظمة بدلًا عن صائب عريقات الذي توفي، خصوصا أنّ الشيخ لمع نجمه في الفترة الأخيرة من خلال لقاءاته مع قادة الاحتلال وقيادته التنسيق الأمني بين أجهزة الأمن الفلسطينية والإسرائيلية منذ سنوات.
ويشير المحلل السياسي إلى أنّ المعيار الذي يُنظر إليه في التعيينات للمناصب الوطنية العليا هو معيار القرب والبعد من الرئيس عباس، لذلك "سيختار المركزي روحي فتوح المقرّب من عباس، لرئاسة المجلس الوطني بدلًا المستقيل مؤخرًا سليم الزعنون".
ويعتقد المناعمة أنّ "فكرة الانتخابات غير ورادة في قاموس عباس؛ لأنّه يدرك أنّ أيَّ عملية انتخابية ستخرجه من الساحة، وبالتالي يعمل على تعطيلها".
وكانت حركة "فتح" أعلنت في 18 يناير/ كانون الثاني الجاري تجديد ثقتها في رئيس الحركة محمود عباس، رئيسًا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ورئيسًا للبلاد، كما اختارت عضو اللجنة المركزية للحركة حسين الشيخ مرشحًا لها في اللجنة التنفيذية وروحي فتوح مرشحًا لرئاسة المجلس الوطني.
ومن المقرر أن ينتخب المجلس المركزي في دورته المقبلة أعضاءً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير خلفًا لشخصيات توفيت أو استقالت، ورئيسًا جديدًا للمجلس الوطني بدلًا عن سليم الزعنون الذي قدم استقالته مؤخرًا.
