قبل نحو عشر سنوات انتقل الفلسطيني أمير الزعبي من مدينة القدس المحتلة، التي ترعرع في جنباتها، إلى مدينة يافا بأراضي 48 المحتلة، وكانت وجهته لتلك العروس تحديدًا نظرًا لجمال ما سمع وشاهد عنها، وأول ما قصد فيها شاطئ بحرها.
أصبح الزعبي الذي كان في منتصف الثلاثينيات من عمره يتجول يوميًا في يافا، كان مذهولًا بجمال المدينة إلى الحد الذي جعله يعشق شاطئها "لحد الجنون" إلى أن أدمن زيارته.
وفي إحدى المرات التي كان يمشي فيها الزعبي على الشاطئ صادف بعض الحجارة الصغيرة الملونة، لينتابه شعور بأنها ليست مجرد حجارة أو حصى، تفطن بأنها بقايا ركام بيوت قديمة، وفي كل يوم أصبح يذهب للشاطئ وعيناه تبحثان عن هذه القطع الصغيرة.
ودفع تعلق أمير بالشاطئ للبحث عن سبب انجراف هذه القطع إلى شاطئ يافا، ليتيقن أنها نتاج ركام بيوت يافا التي جرفتها عصابات "إسرائيل" إبان عام النكبة 1948، فانبرى يجمع المزيد منها حتى أصبح لديه كمية كبيرة من هذه القطع، ليجسد فيها خارطة مدينة يافا بأكملها.
جولة تتحول لـ"إدمان"
ويتحدث الزعبي ذو ال45 عاماً لوكالة "صفا" عن تفاصيل حكايته بالقول: "أنا من مواليد الناصرة وتربيت في بيت صفافا بالقدس وقبل 10 سنوات انتقلت للعيش بيافا".
ويضيف "كنت أقرأ كثيرًا عنها وكم كانت جميلة قبل النكبة وكانت عروس وعاصمة للثقافة ومدينة سياحية وتجارية، حاول الاحتلال بعد أن سيطر عليها أن يبعد أهلها عن البحر، خاصة الذين كانوا يعودون إليها ليلًا بقوارب من غزة في السنة الأولى للاحتلال".
"كنت أجول يوميًا مع ابني على الشاطئ وصادفت تلك القطع الملونة، كان واضح أنها ليست مجرد حصى، فهي من ركام بيوت رمتها جرافات الاحتلال في مكب نفايات بتل أبيب وبقيت لسنوات طويلة".
ويشير إلى أن الاحتلال وقبل 20 عاماً بدأ بإعادة تنظيف مكب النفايات وحوله لحديقة جميلة جدًا لكنها تهويد ليافا، وكان مصير جبال النفايات إلى البحر، الذي أخذ يلفظ القطع الحجرية للشاطئ مع الأمواج والعواصف.
وكما يسرد الزعبي "أخذت أجمع الحجارة بشكل عشوائي، لم أكن أقصد شيء، في بعض الأيام كنت أجمع ما يقرب شوال، وفي أيام كنت أحصل على قطعة واحدة، بالنهاية أصبح عندي عدد كبير".
أصبح جمع هذه القطع "هوس" بالنسبة لزعبي كما يصف حالته استمر لثماني سنوات وهو يقصد بحر يافا ويجمع المزيد، ويتخيل "كيف كانت هذه البيوت جميلة، كيف أننا كنا رواد في تصميم بيوتنا، وأصبحت أتخيل ماذا لو عادت هذه القطع لمكانها بمدينة يافا".
عمل يجسد الحكاية
ومع هذا السرد وجد الزعبي وهو فنان مسرحي، نفسه أمام عمل يجسد ما جال في خاطره وقلبه وعقله من صورة للحياة الفلسطينية قبل النكبة.
يقول: "هذه القطع أصبحت بالنسبة لي الراوية لحياتنا الساحلية الجميلة وبواخر وحدائق وبيوت يافا ومعالمها، وعفوية أهلها وجمال التنقل منها إلى كل البلدان في ساعة، صرت أفكر كيف كانت عامرة بـ150 ألف إنسان ولم يبق فيها إلا 3 ألاف بعد الاحتلال".
هنا بدأ الزعبي ببناء مجسم لخريطة يافا، وبدأ بجمع القطع والشظايا التي جمعها، يضع لكل قطعة مكانها المناسب وبجانب القطعة التي تكملها من حيث الألوان والتشكيل".
يقول عن هذا العمل: "كان دقيقًا لم يكن عشوائي، وأخذ معي وقت غير بسيط، كما أن جمع القطع الركامية أخذ معي ما يزيد عن 8 سنوات".
وأخيرًا خرج بالعمل الذي وضعه في مخيلته، "خارطة يافا وعليها ركام بيوتها التي هدمها الاحتلال"، وهو يتخيل ما تعنيه كل ركامة بلاط وكم كان يحوي البيت الذي هدم من حكاية أسرة فلسطينية، وأجيال ولدت من كل أسرة.
يضيف واصفًا عمله "كان جله عمل ليلي في بلكونة بيتي، لكن كبر حجم القطع والعمل فأصبحت في بعض الأحيان أنزل إلى الشارع ليكون معي متسع لتركيب القطع".
ويبلغ طول خارطة يافا التي تضم الركام المجمع من الزعبي 12 متراً فيما يبلغ عرضها 7 أمتار.
ويضع الزعبي مجسم خارطة يافا بركام بيوتها المهجرة في المتحف الفلسطيني في بيرزيت، وعن سبب تركيبها واستقرارها بالمتحف يجيب "لست بحاجة لأن تكون في بيتي، لأن الحكاية فيها حكاية نكبة جماعية لنا كفلسطينيين، وليس ملكي الخاص".
ويتابع بمشاعر تجوش بحب عمله "الأعمال الفنية تعرض حتى يفكر فيها الناس، تفكر في حياتها وتسترجع معاني النكبة مجددًا".
يُذكر أن الزعبي هو صاحبة فكرة الدمية العملاقة "أمل" التي تمثل طفلة لاجئة تجولت في أوروبا كجزء من مبادرة فنية، وقطعت مسافة قدرها 8 آلاف كيلومتر دعمًا للاجئين في العالم.
