مستشفى الحسن للسرطان.. حين تتاجر السلطة بعذابات المرضى

الضفة الغربية - خاص صفا

كان قدر الفتى سليم النواتي من غزة أن يخسر حياته كي يزيل غبار النسيان ويثير السؤال عن مصير مشروع مستشفى خالد الحسن لعلاج السرطان وزراعة النخاع بعد ست سنوات من انطلاقه ولم يرَ النور بعد.

توفي النواتي وهو يتنقل بين مشافي الضفة ووزارة الصحة بحثًا عن مكان يوفر له العلاج من سرطان الدم، ما أثار موجة غضب وسخط دفعت البعض لنبش الأوراق والعودة بالذاكرة إلى الوراء.

وتداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي معلومات كثيرة حول المستشفى الافتراضي الذي قيل إنه سيُنهي معاناة المريض الفلسطيني وأسرته في التنقل عبر حواجز الاحتلال وتعقيدات الحصول على تحويلة طبية.

وزارة الصحة أصدرت بيانا مقتضبا مساء الجمعة حاولت من خلاله امتصاص الغضب الشعبي.

وبحسب البيان، فإن التبرعات المالية التي تم جمعها لإنشاء المستشفى موجودة ومحفوظة في حساب بنكي خاص بمؤسسة خالد الحسن.

وقالت: "تم عمل المخططات الهندسية للمشروع بسعة 250 سريرُا، وتكلفة تقديرية بقيمة 160 مليون دولار".

وأضافت: "ونتيجة لعدم توفر الأموال اللازمة لإنشاء المشروع فقد تم تجميده في الوقت الحالي، حيث تعمل الوزارة والحكومة على توفير الدعم المالي لإنشاء المركز، وعلى مراحل لخدمة المرضى".

أصل الحكاية

ويتضح من خلال معلومات حصلت عليها "صفا" أن رجل الاعمال الفلسطيني حسيب الصباغ تبرع وآخرون بأرض مساحتها 240 دونما في قرية سردا برام الله لصالح الجمعية العربية الطبية، بهدف إنشاء مدينة طبية تضم مستشفيات ومراكز طبية للتعليم المستمر.

وبلغت قيمة هذه الأرض حينها 120 مليون دولار، وكانت الجمعية الطبية هي الجهة المخوّلة بإدارة المشروع.

وبعد ضغوط كبيرة تعرضت لها الجمعية الطبية، تنازلت عن عشرات الدونمات للسلطة بشرط استخدامها لإقامة مشاريع ومؤسسات تخدم الصالح العام وتنمية المجتمع الفلسطيني.

ولكن تبين لاحقا أن جزءُا من هذه الأراضي معروض للبيع مقابل ملايين، وذلك تحت اسم مشروع "تلال سردا" لشركة "عَمار" التابعة لصندوق الاستثمار الفلسطيني.

وعملت شركة "عَمار" بدورها على فرز هذه الاراضي إلى 49 قطعة مستقلة من أجل بيعها للقطاع الخاص، بشكل مناف للاتفاق بين الجمعية الطبية والسلطة.

وتشير المصادر إلى أن اتفاقية التنازل وقعت برعاية وحضور الرئيس عباس وفي مكتبه، والذي كلف الوزير نديم براهمة في حينه بالتوقيع نيابة عن السلطة على الاتفاقية.

ومن بين الموقعين على الاتفاقية كذلك مدير المخابرات العامة ماجد فرج، والذي قام بإدارة عملية التفاوض مع الجمعية من أجل الوصول للاتفاق النهائي.

والتزمت الجمعية بكل ما طُلب منها وتنازلت عن ما يقارب 127 دونما للمنفعة العامة، ومع ذلك جرت محاولات لتعطيل عمل الجمعية، إلى أن صدر قرار من وزارة الداخلية بحل الجمعية عام 2015.

وخصصت السلطة نحو 40 دونمُا من الأرض لبناء "قصر الضيافة" بقيمة 13 مليون دولار، والذي تحوّل بعد الانتهاء منه إلى مكتبة وطنية بعدما أجمع خبراء أمريكيون على أن موقع القصر "فاشل أمنياً".

المشروع الوهم

في عام 2016 تم الإعلان عن مشروع مستشفى خالد الحسن للسرطان وزراعة النخاع على مساحة 20 دونما فقط من الأرض، بتكلفة تقريبية قدرت بـ 140 مليون دولار، لا تشمل تكاليف المعدات الطبية.

ووضع الرئيس عباس في يونيو 2016 حجر الأساس للمستشفى، معلنًا بدء العمل لإنشاء "أكبر صرح طبي في فلسطين" و"المشروع الأول على نطاق المنطقة ومن المشاريع النادرة على مستوى العالم".

عبارات فخمة وتصاميم عصرية رسمها القائمون على المشروع في مخيلة كل فلسطيني حول هذا المشروع الذي سيشكل نقلة نوعية في الخدمات الطبية المقدمة لمرضى السرطان في فلسطين، ويوفر 80% من فاتورة علاج السرطان بالخارج.

ومع هذه الآمال، تفاعل المواطنون مع حملة وطنية أطلقت لجمع التبرعات للمشروع، وفي اليوم الأول تجاوز إجمالي التبرعات 10 ملايين دولار و12 مليون شيكل.

وكلف عباس المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار "بكدار" بتنفيذ المشروع والإشراف عليه.

وفي آذار/ مارس 2017 تم توقيع عقد التقييم المالي والفني بقيمة 2.47 مليون دولار مع ائتلاف الشركات الفائز، وهو ائتلاف دار العمران- جون كوبر- مركز الهندسة والتخطيط، والذي باشر أعمال التصميم.

وتمت تغطية تكلفة العقد من خلال منحة من البنك الإسلامي للتنمية بقيمة 2 مليون دولار، واستكمل المبلغ من حملة التبرعات.

وفي نوفمبر تم اختيار أحد تصميمين تقدم بهما الائتلاف، واتصف التصميم بالنمط العصري المواكب للحداثة والتطور في البناء.

وفي فبراير 2018، أطلق "بكدار" المرحلة الأولى وهي مرحلة الحفريات التي كان من المقرر أن تستغرق ثمانية شهور.

وحازت شركة brothers للمقاولات على عطاء الحفريات بعقد قاربت قيمته الثلاثة ملايين دولار، وبدأت أعمالها مباشرة.

وحسب المخططات، تبلغ مساحة البناء حوالي 100 ألف متر مربع، وتشمل المساحة الطبية والمرافق التابعة.

أما المساحة الطبية الصافية فتبلغ حوالي 52 ألف متر مربع وتتسع لحوالي 208 أسرّة، وهي عبارة عن مبنى المستشفى والمرافق الطبية التابعة له.

ويتكون مبنى المستشفى من 15 طابقاً، منها أربعة طوابق تحت الأرض اثنان منها لمصاف السيارات وبعض المرافق الأخرى، ومساحة الطابق الواحد حوالي 12 ألف متر مربع.

وأصدر الرئيس المرسوم الرئاسي رقم (7) لسنة 2018 وبموجبه تم تأسيس مؤسسة خالد الحسن لعلاج أمراض السرطان وزراعة النخاع، كمؤسسة غير ربحية.

وحددت المادة الثالثة من المرسوم مهمة المؤسسة بـ"المساهمة في إنشاء مستشفى قادر على الاستمرار والتطور والنمو لعلاج أمراض السرطان والوقاية منها".

وفي مرسوم رئاسي صدر عام 2021 أجرى الرئيس عباس تعديلا كبيرًا على المرسوم السابق لتغيير مهام المؤسسة من أجل محاولة إعطاء صفة قانونية للتصرف بأموال التبرعات.

وبحسب المرسوم الجديد، فإن مهمة المؤسسة أصبحت "إنشاء و/أو تطوير مستشفى خاص و/أو أقسام متخصصة بعلاج أمراض السرطان في الدولة في المستشفيات العامة أو الخاصة".

ويقول خبراء أن هذه الفقرة تجعل مسألة إنشاء المستشفى بهذه الأموال الطائلة خيارا أو احتمالا من بين عدة احتمالات، وتفتح المجال لتنفيذ المشروع أو عدمه، من خلال استخدام حرف العطف (أو) بين كلمتي "إنشاء" و "تطوير".

بل وذهب المرسوم لأبعد من ذلك بتضمين خيار مجرد إنشاء أقسام في مستشفيات قائمة أصلاً.

أ ك/غ ك

/ تعليق عبر الفيس بوك