واجه فلسطينيو الداخل المحتل "سلاحًا ذو حدين" خلال عام 2021 جعله مختلفًا عن سابقيه في كونه الأكثر تحديًا عليهم من جهة والمؤسسة الإسرائيلية من جهة أخرى.
ففي الوقت الذي كان فيه هذا العام أكثر دموية بجرائم القتل، كان أيضًا الأكثر شراسة وفشلًا تجاه المؤسسة الإسرائيلية، التي صدمت باستخدام الفلسطينيين في الداخل لسلاح الجرائم الذي زرعته بينهم منذ أعوام لتفتيتهم في مواجهة جرائم جيشها وشرطتها، وتجلى ذلك في هبة "الكرامة" بمايو المنصرم.
واختلف واقع الداخل الفلسطيني بعد منتصف عام 2021 عما قبله، بمعنى أن ما قبل هبة "الكرامة" ليس كما بعدها، في ظل الهجمة العنيفة التي تشنها "إسرائيل" على فلسطينيي الداخل بإجراءات وقوانين جديدة تريد من خلالها فرض واقع جديد بعد صدمة مايو "بفشل مشاريع أسرلتهم".
فيما يتوقع أن يكون 2022 عامًا مليئًا بالتحديات الكبرى التي قد تغير من طبيعة أراضي 48 التي لطالما تغنت "إسرائيل" بلحن معاملة سكانها الفلسطينيين على أنهم "مواطنين"، لكن الأخطر فيما هو قادم "هو تعداد شهداء الداخل في ظل التغيرات الجذرية التي بدأ يشهدها"، كما تؤكد قيادات الداخل.
ومؤخرًا، تكشفت الكثير من المعلومات التي عمد الاحتلال إخفائها خلال هبة "القدس" منها تعرض المستوطنين وقواته لعمليات إطلاق نار من فلسطينيي الداخل، للمرة الأولى.
علامة فارقة
رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل الفلسطيني محمد بركة يقول في حديث لوكالة "صفا": "إن سنة 2021 شهدت تصعيدًا من المؤسسة الإسرائيلية ضدنا كفلسطينيين في الداخل كما هو الحال في الضفة والقدس وغزة".
لكن بركة يجزم بأن التصعيد الذي شهده الداخل خلال هذا العام كان علامة فارقة في التصعيد الشعبي والمواجهة البطولية لإجراءات الاحتلال والتي تجسدت فيما يعرف بهبة "الكرامة" بمايو.
ويقول: "نحن نعتز بهذه البطولة وهي المرة الأولى التي يلتزم فيها كل أبناء شعبنا بالتوحد والإضراب التام الكامل".
ويشير إلى أنه رافق هذه المواجهة تصعيد خطير من عصابات الإجرام والقتل التي عاثت فسادًا وقتلًا بتشجيع وتواطؤ من المؤسسة الإسرائيلية، في إشارة إلى تصاعد جرائم القتل وشلال الدم بالداخل.
وبلغ عدد ضحايا جرائم القتل في الداخل ما يزيد عن 105 ضحية، حسب آخر الإحصائيات التي لا تشمل القدس والجولان المحتلتيْن.
ويقول بركة إن "أغلب سلاح الجريمة من جاء به هو الجيش الإسرائيلي، وزعماء عصابات القتل يتمتعون بحصانة من جهاز الشاباك، وهذا باعتراف وتصريح من ضباط جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، بالإضافة لتواطؤ شرطة الاحتلال".
أيضًا يوضح بركة أن فلسطينيي الداخل واجهوا "أمرًا غير مسبوق بحياتهم السياسية وهي انضمام حزب عربي لائتلاف حكومي يميني متطرف، وهو ما يعتبر كسرًا لثوابت العمل الوطني في الصراع الفلسطيني بالداخل".
ويشدد هنا بالقول: "كشعب في الداخل نرفض أن نبيع هويتنا وحقوقنا القومية مقابل وعود وهمية بتحسين ظروف معيشية".
كما أن عام 2021 انعكست فيه آثار الانقسام الفلسطيني الداخلي عليه، وهو ما استغلته بعض الأطراف المتنفذة في التنكر لقضية الشعب الفلسطيني وثوابته، في إشارة لانضمام القائمة الموحدة بزعامة منصور عباس للائتلاف الحكومي.
بالمقابل يؤكد بركة أن الشعب الفلسطيني في الداخل سجل عام 2021 مجموعة من الإنجازات الكبيرة في صموده ودفاعه عن أرضه ومواجهة السياسات الإسرائيلية خاصة في هبة مايو.
ويحذر من قرار "إسرائيل" دخول جيشها إلى بلدات الداخل لقمع التظاهرات بالقول "سبق وأن واستدعي الجيش لهذه البلدات، لكن أن يتم اتخاذ هكذا قرار فهذا يحمل خطورة بالغة، لأنه لا مثيل له في العالم بأن يتم إدخال جيش لحل قضايا مدنية بأي دولة".
جرائم لن تتوقف
ويقول نائب الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني المحتل كمال الخطيب في حديث مع وكالة "صفا": "إن فلسطينيي الداخل يستقبلون العام الجديد 2022 بملفات كبيرة لا تزال عالقة بل تتأزم، وعلى رأسها قضية جرائم القتل والعنف التي تصاعدت خلال 2021 مقارنة مع ما سبقه من الأعوام".
ويضيف واصفًا واقع الداخل مع ملف الجرائم "دفعنا ثمنًا كبيرًا لكنها لم تتوقف بعد، وهذا ليس لأن شعبنا تحول إلى كتلة من الشر ومجرمين وقتلة، وإنما لأن المستفيد من هذا الشر هو الاحتلال".
ويلفت إلى أن الاحتلال يواصل سياسة تسيير السلاح لبلدات الداخل المحتل.
لذلك يتوقع الخطيب تواصل جرائم القتل والعنف خلال 2022 المقبل، رغم زعم حكومة الاحتلال أنها ستحارب السلاح أو أنها فعلت شيء في هذا الإطار، لكنها ستستمر في التفرج بل والعمل على تمزيق المجتمع الفلسطيني بالداخل".
ويرى الخطيب أن استمرار الجريمة بالداخل سببه أيضا طبيعة العلاقة بين المؤسسة الإسرائيلية والشعب الفلسطيني بأراضي الـ48، والتي تجلت كثيرًا خلال هبة "الكرامة" بمايو وسن قوانين غير مسبوقة لمحاربة الفلسطينيين، وإدخال كل الوحدات القتالية للتعامل مع أي حراك سلمي لهم.
ويستطرد "بل إنها انتهكت حرمة البيوت والممتلكات بقانون تفتيش البيوت دون إذن قضائي مسبق، ما يعني أن بيوتنا ومساجدنا وأملاكنا أصبحت مستباحة في كل وقت، خاصة في ظل التدريبات الرسمية التي أجراها جيش الاحتلال على اقتحام المنازل والقمع في عدد من المدن بالداخل خلال الفترة الماضية والمستمرة".
وشهدت بلدات الداخل الشهر الماضي تدريبات لجيش الاحتلال في العديد من مدن الداخل منها أم الفحم وعارة، لمحاكاة اقتحام منازل وقمع متظاهرين في أراضي 48، ضمن الاستعداد لأي مواجهات وتظاهرات مقبلة خاصة بالتزامن مع أي حروب خاصة على غزة.
ويحذر الخطيب من أن الداخل الفلسطيني سيشهد بدءًا من عام 2022 مواجهات يومية سيخلقها دخول جيش الاحتلال لبلداته، خاصة مع إقرار قانون دخول الجيش لقمع المظاهرات بالقراءة النهائية، ما يعني "أننا سنعد شهداءنا برصاص الجيش إلى جانب عداد قتلى الجرائم المتصاعد".
تحدي "نهج القائمة الموحدة"
كما يعتبر نهج "القائمة العربية الموحدة" تحديًا لفلسطينيي الـ48 وكبيرًا من وجهة نظر الخطيب، في ظل توقعاته باستمرار مقايضتها الحقوق والثوابت بالأموال التي تضخها الحكومة الإسرائيلية لتعزيز هذا النهج.
ويقول "أموال كثيرة ستكون وسيلة مقايضة للمزيد من الثوابت، وهذا ما حدث لأول مرة يتواجد فيها حزب عربي ضمن ائتلاف حكومي يميني متطرف يقتحم الأقصى كل يوم ويهدم في النقب وكل مكان كل يوم، ويستوطن في الجولان المحتل وغيره يومياً".
ويحذر "هذا النهج لهذه القائمة خطر حقيقي على بوصلة شعبنا في الداخل، لذلك يجب العمل على إسقاطه مع قناعتنا بذلك، لأن شعبنا أولًا لا يرضى الذل والهوان، وثانيًا أن الحكومة الإسرائيلية لا يمكن أن تفي بوعودها بخلق واقع جديد بالداخل يشعر بها المواطن مقابل التنازلات، وهذا واضح في التعامل مع قضايا كثيرة عالقة لليوم".
ويزيد من تخوفات "تعداد الشهداء في الداخل بالفترة المقبلة" ملف إغلاق التحقيقات بجرائم شرطة الاحتلال ومستوطنيه في قتل مواطنين في الداخل، خاصة وأن الشهرين الأخيرين شهدا إغلاق ملفات تحقيق باستشهاد العديد منهم.
وحول هذا يقول الخطيب "هذه الإغلاقات التي تضمن بقاء المتهم مجهولًا، وعدم تقديم أي رجل من شرطة الاحتلال أو جيشه للمحاكمة على قتله مواطن، ما يعني أن هذا الجندي والمستوطن سيشعر بأن ظهره محمي، وسيبقى أصبعه سهلًا على الزناد".
ويؤكد الخطيب أن هذه القضية مرتبطة بإطلاق يد شرطة الاحتلال وجهاز الشاباك في الفترة الأخيرة بلدات الداخل، قائلًا: "لا يعقل أن يتم إطلاق يدها رسميًا".
كما يتوقع بركة ما جاء به الخطيب، حيث لم يرد بشأن توقعاته لعام 2022 أن يسرد "أمنيات" أو يعطي صورة خيالية لهذا العام، قائلًا: "كنت أتمنى أن أضع أمنيات كثيرة، لكن لو تصرفنا كشعب مقموع ومحتل ومقهور فإن هذا الفصل القاتم الذي نعيشه لن ينتهي إلا بإنهاء الانقسام حتى نستطيع مواجهة هذا المحتل".
