مرة أخرى تعود أزمة مستشفى النجاح الجامعي بعد قرار إدارته التوقف عن استقبال مرضى الأورام، ليجد المرضى أنفسهم ضحية صراع بين ذوي السلطة والنفوذ.
وأعلن مستشفى النجاح يوم أمس الثلاثاء عن توقفه استقبال أي حالات جديدة تحتاج لعلاجات الأورام بأنواعها، وعمليات زراعة النخاع، والعلاجات البيولوجية للأمراض الباطنية.
وبررت إدارة المستشفى قرارها بنقص الأدوية اللازمة لعلاج هذه الحالات نتيجة عدم دفع المستحقات الحكومية المتراكمة للمستشفى.
الرئيس التنفيذي للمستشفى كمال حجازي يوضح أن قيمة الديون المستحقة للمستشفى على الحكومة بلغت 420 مليون شيقل.
ويقول حجازي لوكالة "صفا": "خاطبنا الحكومة منذ بداية الأزمة من أجل صرف مستحقات المستشفى، وتم تنظيم وقفة احتجاجية قبل أيام، لكن الحكومة لم ترد حتى الآن".
ويفسر ذوو الاطلاع السجال الدائر بين المستشفى والحكومة بأنه انعكاس للصراع المحتدم َتحت الرماد بين رئيس الوزراء محمد اشتية وسلَفِه رامي الحمد الله الذي يشغل منصب نائب رئيس مجلس أمناء جامعة النجاح ورئيس مجلس أمناء المستشفى الجامعي.
ويستدل هؤلاء بعدد من الأحداث التي تُبرهن على ذلك، بينها تعطيل وزارة التعليم العالي اعتماد 24 برنامجًا أكاديميًا تقدمت بها الجامعة للحصول على الاعتماد.
أرقام متضاربة
وخرج الصراع بين جامعة النجاح ومستشفاها الجامعي من جهة والحكومة من جهة أخرى إلى العلن عقب لقاء جمع اشتية بممثلي مؤسسات نابلس على هامش انعقاد جلسة مجلس الوزراء أواخر نوفمبر الماضي، إذا ذكر اشتية في حديثه أن الحكومة قدمت 79 مليون شيقل لمستشفى النجاح بعام 2021.
وفي تعقيبها على حديث اشتية، تقول جامعة النجاح إن الحوالات النقدية من وزارة المالية إلى الحسابات البنكية للمستشفى بلغت خلال العام الحالي 27.7 مليون شيقل فقط.
وتبين أن المبالغ المطلوبة هي سداد لجزء من تكلفة الخدمات الطبية التي قدمت للمرضى المؤمَنين لدى وزارة الصحة والخدمات الطبية العسكرية، وليست منحًا أو هبات.
وتؤكد الجامعة أن ما وصل لا يكفي للقيام بالأعباء المطلوبة لعلاج المرضى المحولين للمستشفى.
بدورها، لم تتأخر وزارة المالية بالرد على جامعة النجاح وتأكيد صحة ما جاء على لسان اشتية، موضحة أن هذا المبلغ مكون من حوالات نقدية وأذونات دفع.
وتؤكد الوزارة التزامها بسداد مستحقات المستشفيات الفلسطينية، وفقًا للإمكانيات النقدية وتوفر السيولة وتنفيذ السداد لجميع المستشفيات وفقًا لمبدأ النسبة والتناسب حسب رصيد المستحقات.
وفي سعيه للضغط على الحكومة، وجه مستشفى النجاح مناشدة عبر صحيفة "القدس" للرئيس محمود عباس ناشده فيها التدخل العاجل لإنقاذ المستشفى والمرضى من الأزمة التي تسبب بها وقف تحويل المستحقات، كما نظم الموظفين في المستشفى وقفة احتجاجية للمطالبة بتسديد المستحقات.
الرئيس التنفيذي للمستشفى يقول إن المستشفى يمر بأزمة مالية خانقة، بات معها من الصعب توفير عددٍ كبير من الأدوية والمستهلكات الطبية اللازمة.
ويوضح أن نقص الأدوية يعود لتراكم الديون لشركات الأدوية والمستهلكات الطبية التي وصلت إلى 250 مليون شيقل؛ عدا عن متأخرات رواتب الأطباء التي تجاوزت 100 مليون شيقل، "وفي الوقت ذاته لم يعد الاقتراض من البنوك متاحًا".
ويؤكد أن الحكومة لم تلتزم بدفع مستحقات المستشفى وتوقفت منذ حوالي ثلاثة سنوات عن تسديد الدفعات الشهرية المتعلقة بتكاليف أدوية مرضى الفشل الكلوي والأورام حسب الاتفاقات المبرمة بين الطرفين.
أثر سلبي
ومن شأن هذا القرار أن يؤثر سلبًا على المرضى من جميع الفئات، إذ يعالج في المستشفى حاليًا 1600 مريض، فهو يستقبل شهريًا ما بين 120-150 تحويلة جديدة لعلاج الأورام.
ويقول حجازي لوكالة "صفا": "قررنا اتخاذ هذه الخطوة الصعبة حفاظًا على سلامة المرضى.. لا نريد أن يأتينا مريض ولا يجد علاجا عندنا".
ويضيف حجازي: "ارتأينا أن أخف الضررين ألا نستقبل حالات جديدة ربما تجد لها مكانا آخر تتوفر عنده الأدوية اللازمة".
ويشير إلى أن هذا القرار لن يؤثر على المرضى الذين يتلقون العلاج حاليًا في المستشفى، "لكن قد يتأثر بقية المرضى على المدى البعيد إذا لم تحل المشكلة".
وضع مأساوي
من جانبه، يعبر الطبيب رياض عامر من قسم الأورام بالمستشفى عن أسف الأطباء لما وصلت إليه حالة المرضى من معاناة وتأجيل لجرعات الكيماوي وإلغاء لبعضها والبيولوجية نتيجة عدم توفرها.
ويقول: "كنا نتوقع أن تكون الأزمة مؤقتة، فكنا نؤجل إعطاء الجرعات للمرضى، لكن الأزمة تفاقمت وبات من الصعب استقبال مرضى جدد".
ويبين: "نجد أنفسنا كأطباء في موقف صعب أمام المريض الذي يتوقع الحصول على العلاج".
وتابع: "قلوبنا تحترق لعذابات المرضى نتيجة تأخر العلاج، خاصة عندما يكون المريض لديه فرصة بالشفاء التام وأي تأخير قد يكون له عواقب سلبية على صحته".
المواطن "أبو حامد" الذي يرافق زوجته التي تتلقى العلاج منذ خمس سنوات بقسم الأورام بمستشفى النجاح، عبر عن قلقه من استمرار أزمة نقص الأدوية وما قد تتركه من انعكاس على حالة زوجته والمرضى الآخرين.
ويقول لوكالة "صفا" وقد بدا الأسى على وجهه: "الأطباء هنا يسيرون وفق خطة علاج خاصة لكل مريض، وعندما لا يتوفر أحد الأدوية تتعرقل خطة العلاج وتتراجع صحة المريض".
ويشير إلى أنه الطبيب اضطر عدة مرات لتأخير إعطاء العلاج لزوجته لأسبوع أو اثنين لحين توفر الدواء، وخلال هذه المدة كانت صحتها تتراجع ونفسيتها تتأثر كثيرًا".
ويطالب الرئيس عباس والحكومة بأن ينظروا بعين العطف لهؤلاء المرضى وذويهم.
ويقول: "لا نطلب منهم سوى أن يعاملونا كبشر ويوفروا العلاجات لهؤلاء المرضى، فهذا المستشفى يخدم أبناء نابلس وغزة وجنين وقلقيلية وكل الوطن".
