مدريد - صفا
انعقد في العاصمة الإسبانية مدريد في الفترة من 30 أكتوبر وحتى 1 نوفمبر عام 1991، مؤتمر دولي "للسلام بين العرب وإسرائيل" أطلق عليه اسم مؤتمر مدريد.
ورعت المؤتمر الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي السابق سعيًا لإقامة سلام دائم بين الدول العربية و"إسرائيل".
وحينها ظهر موقف قيادة منظمة التحرير عبر عضوُ اللجنة التنفيذيّة مسؤولُ دائرة العلاقات العربيّة والدولية بالمنظمة في ذلك الوقت، محمود عباس.
وكتب عباس في مجلة الدراسات الفلسطينيّة (عدد خريف عام 1991) مقالاً يَظهر من عنوانه حماسُه للمؤتمر وللمفاوضات بالرعاية الأميركية (مؤتمر مدريد وضع الأمورَ في نصابها!).
واعتبر ما ورد في ذلك المقال هو رؤية قيادة حركة فتح أو رؤية التيار المنظر للتسوية ذاتِ الرعاية الأميركيّة.
ويعرف عن عباس أنه من أشد المتحمِّسين للتسوية والمفاوضات منذ عام 1973 على أقل تقدير.
وقال إن "الإطار الذي عُقد فيه المؤتمر وجمع العرب وإسرائيل وجهاً لوجه للمرة الأولى في تاريخ النزاع العربي - الإسرائيلي أهم من الأسباب وهذا ما يعطيه زخمًا وصدقية قد يؤديان إلى نتائج إيجابيّةِ تعكس نفسَها على المنطقة".
وأضاف عباس أن "إسرائيل ستستغل أي عقبات من أجل الانسحاب من المفاوضات".
وادعى حينها أن الولايات المتحدة تتحدث بجدية تامة عن حل عادل ودائم في الشرق الأوسط، وأنّها ترى ضرورة تطبيق القراريْن 242 و338 ومبدأ "الأرض مقابل السلام".
وفي يناير/كانون الثاني 1991 قادت الولايات المتحدة تحالفا دوليا ضم دولا عربية لإخراج القوات العراقية من الكويت التي غزتها في 2 أغسطس/آب 1990.
وأعادت تلك الأزمة القضية الفلسطينية إلى الواجهة لا سيما مع قصف العراق لـ"إسرائيل" خلال الحرب ورفعه شعار تحرير فلسطين.
وشاركت في مؤتمر مدريد وفود من سوريا ومصر ولبنان، وشكَّل الأردن والفلسطينيون وفدًا مشتركًا اقتصر على فلسطينيي الأراضي المحتلة.
في حين استُبعدت منه منظمة التحرير تلبية لرغبة "إسرائيل".
وعقب استعادة الكويت، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الأب عزم بلاده الدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام.
وكانت علاقات بوش سيئة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت إسحق شامير، ولم يستطع دفعه إلى المشاركة إلا بعد التلويح بتعليق المعونة الأميركية السنوية لـ"إسرائيل".
وكانت إدارة بوش مضطرة للجمع بين كثير من المتناقضات لتُفلح في جمع أطراف الصراع تحت سقف واحد، ف"إسرائيل" اشترطت ألا تشارك منظمة التحرير في المفاوضات ولا يَجري أي حديث عن دولة فلسطينية مستقلة، وتتمسك بأمنها وألا تُؤثر عليها المفاوضات بأي شكل.
كما اشترطت ألا تكون للمؤتمر أي صيغة إلزامية ولا تترتب عليه أي مواقف أميركية.
في المقابل، اشترطت الدول العربية أن تكون المفاوضات متعددة الأطراف، وألا تتفرد "إسرائيل" بأي طرف عربي دون الآخر كما حدث مع مصر في معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية عام 1979.
في حين كانت "إسرائيل" تُصر على أن تشمل المفاوضات جلسات ثنائية إلى جانب الجلسات المتعددة الأطراف.
أما الفلسطينيون فوُعدوا بالمشاركة في مسار تفاوضي يمتد لخمس سنوات على أن يصار اعتبارًا من العام الثالث إلى نقاش الوضع النهائي.
المفاوضات
وقدّمت الولايات المتحدة لكل طرف ضمانات بحماية مصالحه وبمراعاة اشتراطاته.
وانتهى الأمر إلى انعقاد المؤتمر في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1991 بمدريد واستمرَ ثلاثة أيام.
وفي الجلسة الافتتاحية، تحدث جورج بوش عن "سلام شامل" تشارك فيه "إسرائيل"، وترتبط بموجبه بمحيطها العربي باتفاقيات اقتصادية وأمنية ودبلوماسية.
وأصرت "إسرائيل" على ألا تبدأ المفاوضات الثنائية في مدريد خوفا من تشكل جبهة بين الفلسطينيين والوفود العربية.
واقترحت إجراء المفاوضات بالتناوب في "إسرائيل" وعاصمة عربية معنية.
في مقابل ذلك، أصرت سوريا على بدء المفاوضات فورا.
واقترحت الإدارة الأميركية "حلا وسطا" يقضي بعقد جولة جديدة في واشنطن خلال ديسمبر التالي، وبين ذلك التاريخ وأغسطس/آب 1993 انعقدت 11 جولة من المفاوضات الثنائية في واشنطن دون نتيجة تُذكر.
وفي ضوء ذلك، قاطعت سوريا ولبنان أول جولة متعددة الأطراف عُقدت في موسكو مطلع 1992.
كما غاب الوفد الفلسطيني لإشكالات تتعلق بتركيبته والجدل القائم حول مشاركة فلسطينيي الشتات.
نهاية المسار
وفي خريف عام 1992 خسر جورج بوش الانتخابات الرئاسية الأميركية التي فاز فيها منافسه مرشح الحزب الديمقراطي بيل كلينتون، وانتهى مسارُ مدريد فعليا.
وفي "إسرائيل" خسر شامير الانتخابات لصالح إسحق رابين.
وفي أثناء ذلك، أقام الإسرائيليون اتصالات سرية بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
وبدأ مسار آخر سري هو أفضى إلى توقيع اتفاق أوسلو (نسبة إلى العاصمة النرويجية أوسلو التي رعت المحادثات السرية).
وتُوج هذا المسار التفاوضي بين الطرفين باتفاقيات (غزة/أريحا أولا) التي وُقعت في واشنطن بتاريخ 13 سبتمبر/أيلول 1993.
كما مهدت لقيام السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة منتصف عام 1994.
وترفض غالبية فلسطينية مسار المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي وتؤكد أن الخيار الأمثل لاسترجاع الحقوق المسلوبة هي المقاومة بكافة أشكالها.
د م
