لم تثنِ سنوات الاعتقال الطويلة محرري صفقة "وفاء الأحرار" ولاسيما في قطاع غزة، عن شق طريقهم في مجالات عملهم المختلفة التي تنوعت بين العمل الفني والإعلامي والنشاط الخيري وفنون مهنية أخرى، مستغلين خبراتهم التي تعلموها أثناء الأسر لخدمة مجتمعهم.
المحررون في الصفقة التي جرت في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2011 وأفرجت بموجبها "إسرائيل" عن 1027 أسيرًا مقابل إفراج كتائب القسام عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، وجدوا في قطاع غزة مساحة ساهمت في إنجاح مشاريعهم ونشاطاتهم.
إنشاد للمقاومة
الأسير المحرر رمزي العك والمبعد من مخيم عايدة قرب بيت لحم إلى غزة، وجد نفسه مبدعًا في فن الإنشاد، ما دفعه لتأسيس فريق إنشادي يحمل فكرًا مقاومًا، يحرض الناس على مقاومة الاحتلال وهو "فريق الوفاء الفني".

ما ساعد "العك" في هذا المجال، هي تجربة سابقة له قبل الأسر أثناء تواجده بالضفة الغربية، فعندما كانت تندلع المواجهات مع الاحتلال بمخيم عايدة، يبدأ بالإنشاد للشبان كي يلهب مشاعرهم ويحرضهم، وفق ما يقول لوكالة "صفا".
وخلال فترة وجوده في الأسر، دائما ما كان "رمزي" يُنشد بصوته لتحريض الأسرى في السجن، ورفع معنوياتهم، وهو ما شجعه على التمسك بهذه الهواية.
ويقول العك لمراسلنا: "كنت أرى صدى شديدًا لما أقوم به سواء خلال وجودي في الضفة، أو في الأسر، وعندما خرجنا إلى غزة وجدت إمكانية لتشكيل الفريق الفني، وهو ما تم وحقق بعدها نجاحاً كبيرًا".
ويؤكد العك أن خروج الأسرى من السجون "لا يعني أن نوقف نضالنا، ونكتفي بما حقنناه قبل الاعتقال"، مضيفا أن "باب النضال واسع ومتعدد، والكل يغني فيه على ليلاه، والجميع يخدم المجتمع في المجال الذي يبدع فيه".
ويتابع "حين كنا نلتقي المجاهدين سواء من شباب الأنفاق أو من سلاح المدفعية، كانوا يقولون لنا إنهم يستأنسون بأناشيدنا، وإنها ترفع من معنوياتهم، وهو ما كان يسعدنا ويشجعنا".
وأعطت غزة للأسرى المحررين، بحسب العك، مساحة مميزة من العمل في المجالات التي اتجهوا إليها، وهو ما أدى بالأسرى إلى استغلال تلك المساحة والإبداع فيها، وخدمة المجتمع من خلالها.
فنون الطهي
المحرر أحمد أبو طه من مدينة رام الله، والمبعد إلى غزة، اتجه نحو مجال آخر من خلال افتتاح مركز لتعليم فنون الطهي والطبخ، احتضن مئات الخريجين والهواة.

وفي بداية فترة تحرره اتجه "أبو طه" إلى مجال متابعة شؤون الأسرى، إلى أن راودته فكرة إنشاء هذا المركز وافتتاحه عام 2016، كنمط جديد يخدم المجتمع.
بدأ المركز عقب افتتاحه بتنفيذ دورات للمهتمين بفن الطهي في غزة، ثم تطور المشروع من خلال استهداف أصحاب المشاريع والمطاعم من أجل تنمية قدراتهم.
ونجح المركز منذ افتتاحه حتى اليوم، بتخريج أكثر 1500 شخص، وفق ما ذكره أبو طه لوكالة "صفا"، الذي أكد أن نسبة 30-40 بالمائة ممن تخرجوا افتتحوا مشاريع خاصة بهم، سواء منزلية (أون لاين) أو في متاجر.
ويشير إلى أن عددًا من الخريجين سافروا خارج القطاع وافتتحوا مشاريع في دول أخرى وأبدعوا في صنع الحلويات الشرقية والمعجنات وغيرها وأثبتوا نجاحهم واحترافية العلم الذي تلقوه في غزة.
ويؤكد "أبو طه" أن المقاومة لا تقتصر على ما قدمه الأسير خارج السجن قبل أسره، إنما تستمر بعد خروجه من السجن من خلال اندماجه في المجتمع، ومساهمته في المجال الذي يبدع فيه.
الإنتاج الفني
بدوره، اتجه المحرر علي عصافرة من مدينة الخليل، عقب خروجه من الأسر إلى العمل في مجال الإنتاج الفني والإعلامي، ونجح في إخراج العديد من الأفلام.
ويروي عصافرة لوكالة "صفا" ظروف توجهه إلى هذا المجال، قائلًا: "بدأت التجهيز والتأسيس له خلال فترة الاعتقال، وأعددت خطة استراتيجية كاملة في السجن من أهدافها البعيدة صناعة فيلم يروي حكاية الشهداء الذين عملنا معهم".

وعقب خروجه من الأسر إلى غزة، التحق عصافرة بدورات تدريبية في العمل الإعلامي، وبعدها باشر عمله في هذا المجال، تارة يشرف على أعمال معينة، وتارة أخرى يكتب سيناريو لفيلم، ثم تطور الأمر لإخراج بعض الأفلام.
ويقول عصافرة إن الشغف والرغبة في دخول ميدان يعاني من نقص حاد في الإمكانات والكفاءات بحكم الظروف الموضوعية لغزة، هو أبرز ما دفعه إلى التوجه إلى هذا المجال.
ويعتبر أن "الإنتاج الإعلامي الثوري وجه آخر للمقاومة بل هو مرآة التاريخ المشرق للثورة ووجهها الحضاريّ أيضًا".
ويضيف عصافرة "لا شك أن الأسرى المحررين لعبوا أدوارًا شتى في المجتمع وأدوا على وجه الخصوص دوراً فاعلاً في زيادة الوعي تجاه القضايا الوطنية وقضية الأسرى تحديدًا بالإضافة إلى تسلمهم مواقع متقدمة في قيادة المجتمع".
الشؤون العبرية
الأسير المحرر سعيد بشارات من مدينة طوباس، اتجه نحو التخصص في متابعة الشؤون العبرية وإطلاع الجمهور الفلسطيني على مجريات الأوضاع والمستجدات لدى الاحتلال، معتمدًا على الخبرة التي حصّلها خلال وجوده في الاعتقال وتعلمه اللغة العبرية.

ويقول بشارات لوكالة "صفا": "كنت أهوى مطالعة الصحف الفلسطينية خلال فترة وجودي بالضفة الغربية قبل الأسر، وبعد اعتقالي زادت لدي تلك الرغبة وتعلمت اللغة العبرية، وبدأت أتابع الصحف العبرية بشكل يومي".
وبعد خروجه من الأسر عمل بشارات في قناة الأقصى 4 سنوات، وبدأ يمارس تخصصه في متابعة الشؤون العبرية، إلا أن وصل الأمر في تحسين قدراته على وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال نشر مقاطع الفيديو وبث مباشر؛ لاطلاع الناس على ما يجري لدى الاحتلال.
ويرى بشارات أن غزة أعطت مجالا واسعا للعمل بحرية، بسبب طبيعتها وبعدها عن قبضة الاحتلال، "لدرجة أن إسرائيل ندمت على إبعاد الأسرى إلى غزة والخارج في صفقة وفاء الأحرار، وكان من مقررات المرحلة القادمة بالنسبة لهم عدم تكرار ذلك مستقبلا، وذلك وفق آخر ما تابعته على إعلامهم".
كما برز في هذا المجال المحرر أحمد الفليت من مدينة دير البلح وسط القطاع، الذي أسس مركزًا لتعليم اللغة العبرية، ويستقطب مئات الطلاب سنويا.

العمل الخيري
وفي العمل الخيري برز العديد من الأسرى المحررين الذين بادروا خلال السنوات الماضية إلى تقديم المساعدات الإغاثية للأسر المستورة.
وكان من أبرز هؤلاء الأسير المحرر علي المغربي من مخيم الدهيشة في بيت لحم، والأسير المحرر منصور ريان، من مدينة سلفيت، وكلاهما أُبعدا إلى غزة عقب الصفقة.
وقاد الأسيران تجمعا خيريا باسم "رُبى الخير"، يضم محررين آخرين، وعقب إنشائه عام 2014 لم ينقطع عن تقديم المساعدات والإغاثات الإنسانية للأسر بالقطاع.

