خالدة جرار.. حلاوة الحرية ومرارة الفراق

نابلس - خاص صفا

في مشهد مهيب، حضره الكثيرون لاستقبال الأسيرة المحررة والقيادية النائبة خالدة جرار، وغابت عنهم ابنتها سهى التي غيّبها الموت قبل شهرين وحرم الاحتلال والدتها من وداعها وطبع القُبلة الأخيرة على جبينها.

وبدل أن تأتي سهى لاستقبال والدتها أتت الأمم المحررة إليها بمقبرة رام الله، وجثت عند قبرها تتحسس حجارته الصماء، وقالت بكلمات خنقتها الدموع: "اشتقتلك يا حبيبتي.. اشتقتلك يا قلبي".

ووضعت على قبرها إكليلا من الزهور وباقة من الورود قطفتها خلسة من جبل الكرمل خلال توجهها للعيادة الطبية، ومعها بطاقة كتبت عليها: "ودعتك بوردة واحتضنك الآن بالورود".

ومنذ لحظة الإفراج عنها من سجن الدامون بحيفا وحتى وصولها إلى معسكر سالم شمال جنين، بقيت جرار مكبلة اليدين والساقين، بحجج واهية خوفًا من هربها.

وخاطبت ابنتها سهى قائلة: "خرجت للحرية وأنا متأكدة أنك الآن فرِحة، وأنا مشتاقة جدًا لك، حيث احتضنتك آخر مرة ليلة اعتقالي قبل عامين".

مشاعر مختلطة تنازعت جرار وهي تتنسم عبير الحرية، وقالت لوكالة "صفا": "مشاعر الفرح بالحرية كانت منقوصة هذه المرة، ولحظات صعبة في ظل فقدان ابنتي سهى، فالفقدان صعب، وأشده صعوبة عندما يفقد الأسير أحد أقاربه وهو في الأسر".

وأضافت: "في اعتقالي السابق فقدت والدي، وفي الاعتقال الأخير فجعت بفقدان ابنتي، لكن روحها بقيت ترافقني طوال الوقت، وهذا ما جعلني متماسكة.

وقالت إنها كانت تحلم باليوم الذي تأتي فيه ركضا إلى قبر ابنتها لتحتضنه بعدما حرمها الاحتلال من وداعها.

إنسانية لا يعرفها الاحتلال

جرار التي عرفتها ميادين المواجهة مع الاحتلال، لم تستطع حبس دموعها وهي تتحدث عن مشاعرها.

وقالت إن الاحتلال الذي لا يعرف معنى الإنسانية لا يدرك بالفعل أن لدى الفلسطيني مشاعر وحب للأوطان وتوق للحرية.

وأكدت أن الأسيرات والأسرى يعيشون ظروفًا غاية في الصعوبة عندما يفقدون أحبتهم وهم خلف القضبان.

وأشارت إلى أن الأسرى حين يفقدون الأحبة لا يفقدون الأمل بحريتهم وحرية الشعب وفلسطين والتحرر من قوى الظلم والاستعباد واستعمار القوى المهيمنة التي تقتل إنسانية الشعوب وتلاحقها.

ولفتت إلى أن الأسرى الستة الذين انتزعوا حريتهم عبر نفق سجن "جلبوع"، قرروا القيام بذلك من أجل الحرية ولكي يحتضنوا أهاليهم، ومن أجل أن يروا شمس فلسطين ويتذوقوا صبرها، وهذا يؤكد إجرام الاحتلال الذي لا يعرف معنى الإنسانية.

وقالت: "ما ساعدني على تجاوز هذه المحنة الصعبة هو المشاعر الدافئة للأسيرات من حولي، ودفء هذا الشعب، فكل الكلمات والمشاعر وصلتني واخترقت جدران الزنازين وشباك زنزانتي".

وأضافت: "ربما الدفء هو الشيء الوحيد الذي لم يستطع الاحتلال اعتقاله واحتجازه في زنزانة منفردة".

الأسيرات.. واقع مرير

ولم تنس جرار وهي تعيش أجواء الحرية وتجدد آلام فقد ابنتها، الواقع المرير الذي تعيشه 36 أسيرة في سجن الدامون، فعدد من هؤلاء الأسيرات يعانين المرض أو الإصابة والإهمال الطبي المتعمد.

وأشارت إلى معاناة الأسيرة المصابة فيروز البو من التي كسرت قدمها عند اعتقالها وهي لا تستطيع الحركة، وحتى الآن لم تتلق العلاج اللازم ولم تدخل المستشفى.

وكذلك الأسيرة إسراء جعابيص التي تحتاج إلى تدخل سريع لانقاذ حياتها هي وكافة الأسيرات اللواتي يتعرضن للإهمال الطبي وأوضاع صحية صعبة.

وقالت أن واقع الأسيرات جزء لا يتجزأ من الواقع الصعب الذي تعيشه الحركة الأسيرة كافة، بل قد يكون أصعب الآن خاصة في ظل المضايقات التي تمارسها إدارة السجون كجزء من العقاب والانتقام بعد أحداث نفق الحرية.

وأوضحت أن أهم المنغصات في حياة الأسيرات هو عدم وجود وسيلة اتصال مع العالم الخارجي، وعدم توفر هواتف، واستمرار وقف الزيارات حتى الآن، ومحدودية لقاءات المحامين بسبب الأعياد اليهودية.

وبعد أحداث نفق الحرية، طالت الأسيرات الإجراءات التعسفية الجديدة التي فرضتها إدارة السجون فتم إغلاق القسم عليهن ليوم كامل.

وقالت جرار: "فرضت مصلحة السجون قانونا جديدا يخير الأسيرات بين الخروج للفورة أو البقاء في الغرف فإذا اخترن الخروج تُغلق الغرف باستثناء غرفة واحدة، وهذا يجعل خيارات الأسيرات محدودة".

عامين عاشتهما جرار في اعتقالها الأخير بقيت هي ورفيقات أسرها على تماس مباشر مع معاناة شعبهن.

وقالت: "عشنا أياما صعبة خلال الحرب على غزة، وشعرنا بالتضامن مع شعبنا ونحن نرى على الشاشات مشاهد هدم البيوت والمباني، والإعدامات الميدانية".

وأضافت: "هذا هو الاحتلال الذي يجب ملاحقته كمجرم حرب يستهدف المدنيين ويقتل ويبطش ويدمر".

وأكدت أن مجمل الظروف في سجن الدامون سيئة وغير صحية، وأن رسالة ومطلب الأسيرات الدائم والأساسي هو الحرية.

وإلى حين تحقيق ذلك، فهن يطالبن على الأقل بتخفيف الإجراءات التعسفية بحقهن، وتلبية مطالبهن وأهمها تركيب هواتف عمومية، وإزالة الكاميرات الموجودة في الساحة والتي تعيق حركة الأسيرات، ومعالجة الرطوبة العالية داخل السجن.

وطالبت بتعزيز حملات التضامن والمؤازرة والدعم للأسيرات والأسرى، والوقوف إلى جانبهم والضغط الجاد لوقف انتهاكات الاحتلال ضدهم.

غ ك/أ ك

/ تعليق عبر الفيس بوك