قرار السلطة الفلسطينية بإجراء انتخابات محلية في القدس والضفة المحتلتين وقطاع غزة، أثار ردود فعل ساخطة، اعتبرت أن القرار لا يحمل في طياته نوايا حقيقية نحو ممارسة الديمقراطية في اختيار ممثلي الشعب الفلسطيني.
ووفقًا لما تحدث به محللون وباحثون في الشأن الفلسطيني لـ "صفا"، فإن السبب الحقيقي خلف الإعلان عن هذه الانتخابات المحلية المجتزأة بدون توافق وطني، هو أن أعين قيادة السلطة ما تزال شاخصة نحو الحفاظ على الدعم المالي الغربي ولا سيما الأوروبي، خشية توقفه في حال لم تقم بخطوات إصلاحية، كتجديد الشرعيات ومحاربة الفساد.
كما تستهدف السلطة وفق هؤلاء المحللين صنع جلبة للفت الانتباه عن استحقاق الانتخابات التشريعية والرئاسية، وإشغال المجتمع والفصائل في تفاصيل الانتخابات المحلية وصنع جدال لا طائل منه.
وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية الثلاثاء الماضي الموافق 14 سبتمبر تسلمها قرار مجلس الوزراء، الذي حدد يوم 11 ديسمبر المقبل، موعدًا لعقد المرحلة الأولى من الانتخابات المحلية التي تشمل المجالس القروية والمجالس البلدية المصنفة "ج" في الضفة الغربية وقطاع غزة وبما يشمل مناطق عديدة من محافظة القدس.
وأكدت عديد الفصائل الفلسطينية رفضها تفرد السلطة الفلسطينية وحركة فتح بقرار إجراء الانتخابات المحلية، مشددة على أن القرار سيزيد من حدة الانقسام، في ضوء رفض السلطة إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني.
وكان قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية والتي كانت مقررة في 22 أيار/مايو الماضي، بذريعة رفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي إجرائها في القدس المحتلة، أثار ردود فعل غاضبة، فيما اعتبرت الفصائل والجماهير الفلسطينية القرار اغتصابًا للسلطة وجريمةً دستورية وانفرادًا بالقرار.
لكن المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية أكد لـ "صفا"، أنه لا توجد عوائق أمام إجراء الانتخابات المحلية في المناطق المصنفة "ج" وفق وزارة الحكم المحلي بمحافظة القدس المحتلة.
ما يعني أن العقبة التي كانت سببا في إلغاء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، لم تعد قائمة، الأمر الذي يثير استياء بسبب مزاجية السلطة واتخاذها ذرائع وصولا لانتخابات على مقاسها، وفق مراقبين.
استرضاء المانح
الكاتب والباحث ساري عرابي أوضح لـ "صفا" أن السلطة وحركة فتح تُجري هذه الانتخابات دون ناظم أو التوافق على برنامج سياسي، ودون الوحدة الوطنية، ولا تحظى بالشرعية الشعبية، "وبذلك تحول نفسها إلى بلدية كبيرة تدير مجموعة من الإدارات المحلية للمدن والبلدات الفلسطينية تحت سلطة الاحتلال ومظلته".
واعتبر أن حركة فتح ستنافس نفسها خلال هذه الانتخابات التي من المتوقع أن تقاطعها القوى والفصائل الكبرى الوازنة وغالبية جماهير شعبنا، لافتا أن الأصل أن يشرف على هذه الانتخابات سلطة شرعية منتخبة وتحظى بقبول شعبي.
واعتبر الباحث عرابي أن السلطة تحاول استرضاء المانح الأوروبي باستحداث "أجسام إدارية منتخبة"، حتى ولو كانت بالحد الأدنى.
ويشترط الاتحاد الأوروبي تقديم المنح والمساعدات لمناطق بها هيئات شرعية منتخبة وتعمل على محاربة الفساد و"الإرهاب"، وفق الأنظمة الخاصة به.
سبب آخر ذكره عرابي خلف نية السلطة إجراء انتخابات محلية مجتزأة، هو إشغال الشارع الفلسطيني والفصائل المعارضة بعمل ما وسط هذا الجمود، "فلا حراك سياسي ولا نضالي أو انتخابات لهذه السلطة".
شكوك حول الدافع
الكاتب والباحث صلاح عبد العاطي قال في حديثه لـ "صفا" إن إجراء الانتخابات المحلية بهذه الصيغة غير التوافقية وفي هذا التوقيت يعد خطوة باتجاه تعزيز الانقسام، وتعميق أزمة النظام السياسي الفلسطيني، ويطرح الشكوك حول الدوافع من إجرائها.
ولفت إلى إمكانية تعطليها أو تأجليها كما جري مع الانتخابات العامة والانتخابات النقابية والهيئات المحلية سابقا.
وخلال حديث سابق لـ "صفا" أوضح الباحث بمركز يبوس سليمان بشارات أن المواطن لم يقتنع بأسباب الرئيس عباس بإلغاء الانتخابات التشريعية، لافتا أنه يتهرب من الانتخابات الشاملة لإدراكه أنه وتياره الخاسر الأكبر منها.
وأضاف بشارات أن عباس يهرب للأمام بدعوته للانتخابات المحلية لامتصاص غضب الشارع الذي يطالب برحيله، وليس حُبًا ودافعيةً نحو محاربة الفساد الإداري والمالي بهذه المحليات وتجديد الشرعيات، وإنما لملء الفراغ وإشغال الشارع الفلسطيني وقواه وفصائله المعارضة بانتخابات قد لا تحدث أصلا .
