قبل 16 عاما

الهروب من جحيم غزة.. انسحاب بنكهة الندم

القدس المحتلة - ترجمة صفا
بعد مرور 16 عامًا على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، لم تفلح "إسرائيل" في الإفلات من مخالب المقاومة الفلسطينية التي أجبرتها بالقوة على الهروب من جحيم القطاع، وبدا الواقع أكثر تعقيدًا وباتت الصواريخ تهدد القدس وتل أبيب وأبعد من ذلك، بدلاً من مستوطنات الغلاف.
وتباينت آراء قادة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة من تلك العملية المعقدة بعد سنوات من تنفيذها ما بين مؤيد حتى اليوم ومعارض لانعدام الجدوى وتحول القطاع إلى "برميل بارود كبير".
وذكر المحلل العسكري الشهير ألون بن دافيد أنه على الرغم من أن الانسحاب جاء للتخلص من المعضلة الأمنية والعسكرية التي شكلها القطاع على الجيش والمستوطنين إلا أن الواقع بدا أكثر تعقيدًا فقد باتت الصواريخ تهدد تل أبيب بدلاً من الغلاف وحتى أبعد من ذلك.
وقال بن دافيد في معرض حديث سابق له عن الانسحاب "هل كان الانسحاب كارثة أمنية أم حصنت الوضع الأمني؟"، حيث أجرى في سبيل ذلك عدة لقاءات مع قادة سابقين في جيش الاحتلال ممن واكبوا الانسحاب.
وتحدث بن دافيد عن أن سلسلة من العمليات الدموية سرعت في عملية الانسحاب، فقد قتل 13 جنديًا عبر تدمير ناقلتي جند في القطاع قبل عام من الانسحاب.
وعقب قائد أركان الجيش في حينه دان حلوتس على عملية الانسحاب قائلاً إن "الأمر كان صعبًا للغاية والذي تمثل بتدمير المشروع الاستيطاني في القطاع".
وقال حالوتس إن "السنوات الـ15 التي أعقبت الانسحاب لم تكن وردية فقد نفذ الجيش 3 عمليات كبيرة في القطاع، وباتت صواريخ حماس تهدد تل أبيب وما بعدها".
أما أليعيزر شتيرن الذي كان مسئولاً عن القوى البشرية في الجيش فقال إن "الاستيطان في القطاع لم يكن ذو جدوى، فقد عاش هناك وعلى مدار 30 عامًا ما يوازي عدد سكان مستوطنة كبيرة في الضفة الغربية".
وأردف "لا أعتقد أننا أكملنا المهمة، فمن وجهة نظري يجب أن نمنح سكان القطاع أفقاً للحياة ميناءً ومطارًا، فلا يمكن احتجازهم بهذا الشكل، يريدون الخروج للعالم والتجول فيه، يريدون التعلم والتطور، امنحوهم ذلك، فالشعوب المرفهة أقل عدوانية، الشعوب الجوعى أكثر عدوانية، وعندما لا يكون لديك ما تخسره فأنت مستعد لأن تخسر كل شيء".
بدوره، قال مسؤول شعبة العمليات في جيش الاحتلال إبان العملية إن "الكابوس في حينها كان كيفية اتمام الانسحاب دون سفك للدماء سواء من جانب الجنود أو المستوطنين وأنه منع استخدام حتى العصي في الإخلاء سعياً لإخلاء ناعم".
من جانبه، وصف الصحفي الإسرائيلي "أرئيل كهانا" خطوة إخلاء المستوطنات في قطاع غزة والانسحاب منها قبل حوالي 16 عامًا، بالخطوة الغبية وعديمة الجدوى.
وقال "كهانا" في مقال سابق بصحيفة "إسرائيل اليوم" إن الخطوة تبدو من أكثر العمليات الإسرائيلية غباءً على الإطلاق، مضيفًا أنها لم تحقق أياً من أهدافها، وأنه بدلاً من الحصول على "هونغ كونغ الشرق الأوسط"، حصلت "إسرائيل" على "دولة إرهاب" تهدد الحدود الجنوبية للكيان، وفق تعبيره.
ولفت الى أن رئيس وزراء الاحتلال الأسبق "ارئيل شارون" الذي قرر الذهاب نحو خطة الانفصال، كان بإمكانه الصمود أكثر أمام "إرهاب غزة"، لكنه بدلاً من ذلك قرر التراجع والهرب.
ووصف بأن ثمن النوم في العسل يدفعه الجميع حالياً.
وبين "كهانا" أن الشق السياسي من الخطة لم يتحقق وفشل فشلاً ذريعاً، قائلًا: "اعتقدت إسرائيل بأنها ستكون في حلٍّ من المسؤولية عن قطاع غزة من الناحية السياسية والقانونية، وبالتالي عدم تحمل مسئولية أي شكاوى فلسطينية أمام المحافل الدولية حول ما يدور في غزة".
لكنه قال إن ذلك لم يتحقق، فالمجتمع الدولي ينظر إلى "إسرائيل" على أنها ما زالت مسؤولة عن كل ما يدور في القطاع.
ولخص الكاتب هذه النقطة بالقول إنه من الناحية السياسية لم يحدث أي انفصال، "فغزة لا زالت معلقة في رقبة إسرائيل".
وهدفت الخطة، وفق "كهانا"، إلى تحريك عجلة المسيرة السلمية وتطبيق خطة "خارطة الطريق"، والبدء بجمع السلاح غير القانوني، واستئناف المحادثات مع "إسرائيل".
واستدرك قائلًا: "لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فمن كان عليه جمع السلاح ألقي من فوق الأسطح على يد حاملي السلاح، وهم مخربو حماس، وهرب رجالات أبو مازن من القطاع ونجوا بأنفسهم بمساعدة إسرائيلية".
وتابع: "بدلاً من ذلك حصلنا على حماسستان، وهي كيان إرهابي نصف دولة ومسلحة من رأسها حتى أخمص قدميها وبإمكان قوة عسكرية كبيرة فقط إزاحتها عن الحكم بالقوة، صحيح أن هذا يخفف على اسرائيل عالمياً لأن احداً لا يتوقع منا إبرام اتفاق مع التنظيم الإجرامي، لكن من المؤكد بأن من خطط لعملية الانفصال لم يكن يتوقع هذه النتيجة".
وعن الشق الأمني–العسكري، قال "كهانا" إن صناع القرار اعتقدوا في ذلك الحين بأن الانسحاب سيوقف عجلة العمليات التي استهدفت جنود الجيش والمستوطنين داخل القطاع، وجرى الترويج للخطة على أنها ستحقن دماء المئات من الإسرائيليين، لكن هذا الوعد لم يتحقق.
وذكر أنه بعد شهر فقط من خروج آخر جندي من القطاع تم استئناف إطلاق الصواريخ باتجاه الغلاف، على حد تعبير الكاتب، لافتًا إلى أن الثمن العسكري يدفعه سكان الغلاف منذ ذلك الحين عبر عمليات إطلاق الصواريخ المتكررة وعمليات عسكرية لا تنتهي.
وتحدث الكاتب عن أن تجاهل "إسرائيل" لغزة مكّن حماس من تحويلها إلى مختبر متفجرات كبير، وإقامة جيش شبه عسكري يشمل أذرعًا برية وبحرية وجوية، ومدينة أنفاق حصدت الأرواح، إضافة الى نظام صاروخي يدار عن بعد دون أن تمسه يد بشر.
ووصف بأن الجميع يعرفون أن "غزة ستنفجر فوق رؤوس الإسرائيليين يوماً، وأنه ومن أجل التخلص من مشكلة صغيرة وهي العمليات في حينه، حصلت "إسرائيل" على فخ كبير، عبارة عن إطلاق صواريخ لا يتوقف وجولات قتال بلا نهاية، فشل خطة الانفصال كان فخاً بشكل خاص".
واختتم الكاتب مقاله بالإشارة الى أن أياً من أهداف الخطة لم يتحقق سواءً السياسية أو العسكرية، وأن غزة بقيت جرحاً مفتوحاً.

/ تعليق عبر الفيس بوك