ذكرى ميلاد رواية الاحتجاج ضدّ الاستعمار وأعوانه

لندن - صفا

في روايته "الطبول تُقرع لرانكاس" (1970)، يصوّر مانويل سكورزا ــ الذي تحلّ اليوم الثلاثاء ذكرى ميلاده ــ كيف استبسل السكّان الأصليون لبيرو في الدفاع عن أرض أجدادهم في حرب يائسة فُرضت عليهم إبان حكم الجنرال مانويل أ. أودريا الذي استولى عليها، وحرمهم من رعي ماشيتهم في جبال الأنديز حيث استوطنوا منذ آلاف السنين.

يقدّم الشاعر والروائي البيروفي (1928 – 1983) نموذجاً مهمّاً لروايات الاحتجاج في أميركا اللاتينية، حيث وثّق ذبح آلاف "الهنود" المضطهدين على يد قوّات الجيش، خدمةً لمصالح المستعمِر الذي واصل حكمه للبلاد بعد استقلالها من خلال شركاته التي صادرت مواردهم الطبيعية، وحوّلتهم إلى عمّال بأجور منخفضة، ودعمت في الوقت نفسه أنظمة عسكرية مارست القمع لثبيت سياسات الأمر الواقع.

تنتهي الرواية بالسؤال عن المصير الذي يتعيّن مواجهته في كلّ صراع يحدث مع الأغنياء والأقوياء، فمع توسّع الشركة الأوروبية التي يتحدّث عنها مانويل سكورزا، افتُتحت ثلاث مقابر إضافية لتستوعب جميع مَن رفضوا الإذعان والخضوع للقوة الشريرة التي يجعلها مجهولة الهوية، مقابل غوصه في تفاصيل شخصيات القرويين وعلاقاتهم الاجتماعية، وموتهم في سبيل كرامتهم.

أتت مقارباته لأزماته البيرو بعد الاستعمار إثر نضال طويل ابتدأه حين كان طالباً في "جامعة سان ماركوس الوطنية الكبرى"، كما انخرط في صفوف اليسار، ما اضطرّه لمغادرة البلاد منفياً بعد انقلاب الجنرال أودريا، حيث استقر في باريس، وأصدر فيها مؤلّفات ألهمت مواطنيه في خمسينيات القرن الماضي، حيث كان يكتب الشعر معبّراً عن حزنه وغضبه كما يظهر في مجموعته الشعرية الأولى "اللامبالاة" (1955).

بعد نشره خمس مجموعات شعرية، ارتحل سكورزا إلى الرواية وفق منظور استعاد خلاله الميثولوجيا القديمة لحضارة الإنكا، التي استمرّت آخر ممالكها وأكثرها اتساعاً حتى منتصف القرن السادس عشر مع غزو كريستوفر كولومبوس لقارة أميركا الجنوبية، ودمجها مع كفاح الفلاحين لاستعادة أراضيهم من المستعمر الإسباني ثم من وكلائه بعد عام 1879، حيث فشلت مشاريع بوليفار لإنشاء اتحاد جنوب أميركي.

أصدر روايته الأولى "الطبول تُقرَع لرانكاس" بداية السبعينيات، ثم بلورت أعماله اللاحقة أسلوبه الواقعي الممتزج برؤية شاعرية، وقد كتب مخطوط الرواية بعد عودته إلى بيرو التي غادرها مرة أخرى إلى المنفى عام 1968 إثر اشتراكه في قيادة حركة احتجاجية واسعة بين صفوف الفلاحين، وتوالت رواياته التي عبّرت بوضوح عن موافقه الرافضة للاستبداد، وسعيه لتأسيس هوية بيروفية تقوم على عدم تبعيّتها للغرب.

من رواياته: "تاريخ غارابومبو اللامرئي" (1972)، و"الفارس الأرِق" (1977)، و"أغنية أغابيتو روبلس" (1977)، و"ضريح الأمل" (1979)، و"الرقصة الساكنة" (1983)، إلى جانب أعماله الشعرية مثل "الوداعات" (1959)، و"أشعار عاشقة" (1963)، و"الأعمال الشعرية الكاملة" التي صدرت بعد رحيله.

عكست كتابات مانويل سكورزا مجمل تجربته الحياتية ومواقفه وحالاته المزاجية، وربما تحمل حادثة موته رمزيةً كبرى، حيث استقّل طائرة مع مجموعة من المثقّفين من أميركا اللاتينية للمشاركة في مؤتمر حاول تقييم الثقافة الإسبانية الأميركية، لكنه لاقى حتفه بعد اصطدام الطائرة بتلّةٍ أثناء اقترابها من مطار مدريد؛ عاصمة المستعمِر الذي لا تزال الأزمات تتوالد في مستعمراته بعد خروجها منها قبل أكثر من قرن.

أ ك

/ تعليق عبر الفيس بوك