بروفيسور في الفيزياء من طولكرم

عصام الأشقر.. رجل الظل والقائد الاستثنائي

نابلس - خـــاص صفا

يندر أن تحصل شخصية عامة على إجماع كل من عرفها وتعامل معها كما هو حال القيادي بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) البروفيسور عصام راشد الأشقر، الذي توفي الجمعة، بعد حياة حافلة جمع فيها بين العلم والتربية والعمل المقاوم.

أمضى الأشقر حياته بين قاعات المحاضرات وزنازين السجون، بعيدًا عن الأضواء والإعلام، وترك كل الإغراءات، وفضّل البقاء في وطنه على حياة الاستقرار في الخارج والعمل في أرقى جامعات العالم.

اعتقل خمس مرات وفشل الاحتلال في انتزاع أية معلومة منه فانتقم منه بسلاح الاعتقال الإداري الذي نال من عمره خمس سنوات ونال من صحته فترك أثره الواضح في وفاته متأثرا بمضاعفات فيروس كورونا.

واعتقلته الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية المحتلة واستدعت زوجته للتحقيق، وكانت خطورة حالته الصحية عاملا رئيسا بإطلاق سراحه.

عضو المكتب السياسي لحركة حماس حسام بدران وصف الأشقر بالقائد المجهول، فهو لم يكن شخصا معروفا للعامة ولم يحضر كثيرا في الإعلام، لكنه كان أحد القيادات "الصلبة والمتينة والعميقة في حركته، وظَلّ على العهد حتى آخر أيامه لم يغير أو يبدل".

وقال في تغريدة له: "عرفته في بدايات التسعينات حيث عملنا معا في تولي المسؤولية والإشراف على عمل الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح، حيث كانت مرحلة إعادة التأسيس والبناء بعد انقطاع لسنوات أثناء الانتفاضة الأولى، ثم عملنا معا في قيادة الحركة في شمال الضفة".

وأضاف: "رأيت فيه ميزات ومواصفات قَلّ أن تجدها في رجل واحد".

وأوضح أنه "كان يحب الأقوياء الصامدين، ولا يقبل لمن يضعف أن يتولى المسؤولية من جديد، لأنه يرى المصلحة العامة مقدمة على العواطف والمشاعر".

المهندس منذر مشاقي، رئيس مجلس طلبة جامعة النجاح في أواسط التسعينات، أرجع الإنجازات التي تحققت في تلك الحقبة إلى الإدارة الاستثنائية للأشقر.

وقال: "للتاريخ أقول أن أبا مجاهد كان قائدا مجهولا فذا، وأن كل ما أنجزناه خلال مسيرتنا في جامعة النجاح الوطنية كان بتوفيق الله أولا، ثم بتوجيهات الدكتور عصام وتعليماته، وبفضل رأيه الحكيم دائما، وإدارته الناجحة والاستثنائية".

وأضاف "كل نجاح حققناه كان تحت إمرته ومسؤوليته، وكان بيته مفتوحًا دائمًا لنا ونحن مجرد طلبة نتتلمذ على يديه، ورغم ذلك كان يعاملنا كأخوة وليس كطلبة".

وزير الأسرى الأسبق المهندس وصفي قبها قال إن: "الأشقر أروع وأبرز الشخصيات الفلسطينية الدعوية والقيادية والأكاديمية التي عرفها وأحبها"، معتبرًا أنه "مئذنة أخرى هوت من مآذن فلسطين الشامخة".

وقال خلال تشييع جثمانه إنه: "لم يسمح لنفسه في يوم من الأيام أن يترك فراغًا، فلم يسمح لنفسه أن يتراجع أو أن يحيل نفسه على التقاعد على الرغم من الآلام التي رافقته طيلة العشرين سنة الماضية".

وأضاف "عرفته صاحب أخلاق عالية، وانتماء عميق، وأصالة وتميز بالقيادة والتربية والحكمة والحنكة، وحقا إنه نعم الرجل ونعم القائد ونعم المربي".

علم ومقاومة

والأشقر هو من مواليد قرية صيدا قضاء طولكرم، متزوج ولديه خمسة من الأبناء الذكور وبنت واحدة.

حصل على البكالوريوس في الفيزياء من جامعة اليرموك عام 1980، ثم حصل على منحة لدراسة الماجستير في الجامعة الأردنية عام 1982، وعمل مساعدا للتدريس.

عاد ليعمل محاضرا بجامعة النجاح مدة سنتين قبل أن يحصل على منحة لدراسة الدكتوراه في الفيزياء من جامعة أوهايو الأمريكية عام 1990، ليعود بعدها للتدريس في جامعة النجاح.

أبدع الأشقر في التدريس والبحث العلمي، وحصل على رتبة أستاذ مشارك في الفيزياء، ومن ثم رتبة أستاذ دكتور (بروفيسور) في الفيزياء.

كان خبيرا متخصصا في مجالات متعددة، أهمها: فيزياء المواد، وتأثير الموجات الكهرومغناطيسية والصوتية على جسم الإنسان، وحصل على جائزة اتحاد الجامعات العربية عام 1999 لإسهاماته في مجال الفيزياء.

وأشرف الأشقر على الكثير من رسائل الماجستير، وكان حتى مرضه ووفاته منسقا لبرنامج الدراسات العليا بالفيزياء، وشارك في العديد من المؤتمرات مقدما فيها الأوراق والمداخلات العلمية.

وتمكن خلال مسيرته الأكاديمية من نشر 136 بحثاً علمياً محكمًا في مجلات علمية عالمية في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا.

وصدر له عدد من الكتب، منها كتاب "دعاء المسلم" باللغة الإنجليزية عام 1989، وكتابان حول منهاج تعليم الفيزياء للمستوى الأول والمستوى الثاني لطلبة الفيزياء في جامعة النجاح عام 1995، وكتاب الفيزياء الرياضية المخصص لطلبة مستوى الماجستير في الجامعات الفلسطينية.

تأثر الأشقر وتبنى الفكر الإسلامي في سنوات شبابه المبكر، ونشط دعويًا واجتماعيًا خلال دراسته للدكتوراه، لينضم للحركة الإسلامية، ومع انطلاق حركة حماس انضوى في صفوفها، وكان أحد أبرز مثقفيها وقياداتها.

اعتقله الاحتلال أول مرة عام 1998، تعرض خلالها للتحقيق ثم أفرج عنه بعد شهر، واعتقل مرة أخرى عام 2006 عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية ليقضي في الاعتقال الإداري عامين كاملين.

ثم اعتقل عام 2009 إداريًا مدة عام ونصف، أصيب خلالها بحالة اختناق أثناء احتجازه في إحدى الزنازين الضيقة كاد يفقد حياته، وتبين أنه يعاني من ارتفاع في ضغط الدم.

وفي اعتقاله الثالث، عرضت عليه المحكمة العليا الإسرائيلية الإبعاد إلى خارج الوطن لمدة ثلاث أو خمس سنوات، وعندما أبلغهم رفضه للفكرة من أساسها، انتقموا منه بتمديد اعتقاله الإداري.

كما اعتقل إداريًا عام 2016 وقضى عامًا ونصف أغلبها في مستشفى سجن الرملة، حيث أصيب بجلطة فقد إثرها الإحساس بيده ورجله اليمنى، ورفض الخضوع لأي عمليات جراحية نتيجة استمرار اعتقاله.

ومنعه الاحتلال من السفر منذ عام 1996 حتى وفاته.

إهمال وتآمر

وقالت عائلة الأشقر إن الاحتلال وسجونه كان لهم الدور الأكبر في تدهور صحته وصولا إلى وفاته.

وأكد نجله الطبيب حذيفة أن والده خرج من زنازين التحقيق بسجن "بتاح تكفا" عام 1998 يحمل ملفا طبيا، حيث بدأ يعاني من ارتفاع عال جدا في ضغط الدم.

وفي اعتقاله الأخير عام 2016 خرج بعد عام ونصف بحالة صعبة جدا، ونقل فور الإفراج عنه إلى المستشفى.

وأضاف حذيفة "بعد مكوثه أسبوعا في المستشفى تحسنت حالته وتماثل للشفاء، وهو ما يدل على أنه تعرض لإهمال طبي شديد".

وأشار إلى أن هذه المشاكل الصحية أثرت عليه بشكل كبير عندما أصيب بفيروس كورونا في مارس/ آذار الماضي، فبعد 12 يوما ساءت حالته وأصيب بمتلازمة ضيق التنفس الناتجة عن كورونا، ونقل إلى العناية المكثفة تحت التخدير والتنفس الصناعي لمدة شهرين كاملين.

ونقل بعدها إلى مركز التأهيل في بيت جالا، وأصيب هناك بانتكاسة بعد أسبوعين فأعيد إلى مستشفى النجاح وعاد لنقطة الصفر، ليدخل بعدها في حلقة مفرغة من الالتهابات المتوالية التي انتهت بوفاته.

وأوضح حذيفة أن الظروف التي عاش فيها والده في السجون أشد من التعذيب الجسدي، من خلال وضعه في بيئة تزيد من أعراض الضغط مثل سوء التهوية، وحرمانه من الأدوية اللازمة أو تجريب الأدوية عليه.

ولفت إلى أنهم كانوا يقيدونه بالسرير وهو في المستشفى ولا يفكون قيده إلا لتناول الطعام أو الذهاب للحمام.

واستذكر نجله "تضحياته في سبيل وطنه ودعوته"، ويقول: "كان جلّ وقته مكرسا لوطنه وبذل ما بذل في سبيل الله تعالى".

واعتبر رحيله خسارة كبيرة لعائلته، "لكن الخسارة الأكبر هي لوطنه ولشعبه الفلسطيني".

وأضاف "كان مثالا للأب الحاني، ولم يبخل علينا من وقته رغم كثرة انشغاله".

ط ع/أ ج/غ ك

/ تعليق عبر الفيس بوك