حملت انتخابات نقابة المهندسين دلالات هامة ووجهت رسائل واضحة عنوانها التصدي لتغول السلطة على الحريات والذي تُوّج بمرحلة هي الأسوأ بتاريخ الشعب الفلسطيني رافقت وتلت اغتيال الناشط نزار بنات.
فلا يمكن الفصل بين الواقع السياسي وسياقات تشكيل كتلة "العزم" الهندسية التي فازت بمقعدين من أصل أربعة في المكتب التنفيذي للنقابة، وهو موقع الرئيس والذي فازت به نادية حبش، والمنصب الأهم الذي يليه، والذي فاز به رياض عبد الكريم.
يعود ذلك إلى أن مبدأ التحالف الذي تم بين الإسلاميين واليساريين في النقابة كان على قاعدة التحالف ضد تغول السلطة على الحريات والعمل النقابي وردّة فعل مباشرة للتعديات التي رافقت مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة على غزة واغتيال الناشط بنات، وهو ما عبرت عنه بوضوح تام "حبش"، بأن التفكير في خوض الانتخابات كان بعد عمليات السحل والتنكيل والاعتقال التي تعرضت لها في مسيرة رام الله.
الناشط والباحث الحقوقي صلاح موسى يقول لـ"صفا" إن فوز "حبش" هو رسالة قوية "أن السحل والاعتقال ومصادرة حريات الناس سيكون لها ثمن مباشر، وما انتخابات البلدية القادمة إلا المحطة المقبلة، فقد نجحت حماس والجبهة الشعبية بكسر نموذج استقر، وقد يفتح شهيتهم، بل قد ينضم لهم بعض الغاضبين من أبناء فتح في المرحلة التالية".
أما الملتقى الديمقراطي في بيان له فقال إن "عقد الانتخابات واحترام إرادة الشعب هي الطريق الأسلم والأقصر للخروج من الأزمة السياسية والاجتماعية العميقة التي تعصف بفلسطين ونظامها السياسي".
وأضاف بيان الملتقى أن الاستمرار بالهروب من استحقاق الانتخابات التشريعية والرئاسية لن يُجدِي نفعاً ولن يمنع شعبنا من التعبير عن توقه لممارسة حقه المقدس في اختيار من هو جدير بتمثيله على المستويات كافة".
وأكد أن "عقد انتخابات نقابة المهندسين في مجمع النقابات في القدس يؤكد أن إجراء الانتخابات في العاصمة أمر ممكن إذا ما توفرت الإرادة الفلسطينية لذلك وأن استخدام القدس كذريعة لتعطيل الانتخابات التشريعية والرئاسية حجة غير مقنعة".
وأضاف أن "الشرعية للشعب، وحان الوقت لاحترام إرادة شعبنا الجامحة في التجديد والتغيير الواسع والعميق عن طريق صندوق الاقتراع".
أما المحلل السياسي جهاد حرب فقد قال إن نتائج الانتخابات توضح أن المصوتين بحثوا عن الأشخاص الأقوياء ليتصدروا المشهد، مؤكدًا أن ما جرى هو تجربة إيجابية لعقد تحالفات وطنية مثمرة تؤسس للعمل المشترك.
وأشار إلى أن نتائج هذه الانتخابات ستجعل السلطة تعيد حساباتها في السماح بالانتخابات للنقابات الأخرى، والتحضيرات للانتخابات البلدية المتوقعة قبل نهاية العام الجاري.
دلالات بالتصويت
وبتحليل اتجاهات الكتل التصويتية، فإن هذه الانتخابات كانت الأكثر دلالة من حيث اتجاهات التصويت، فعلى مستوى هيئة المكتب فإن الفارق في عدد الأصوات بين مرشحة كتلة العزم نادية حبش ومرشح حركة فتح سامي حجاوي كان أكثر من 700 صوت وهذا غير مسبوق في تاريخ انتخابات النقابة.
وبتحليل بياني، فإن واقع سيطرة حركة فتح على 11 مقعدًا من أصل 15 في مجلس النقابة لا يعكس حقيقة اتجاه تصويت المهندسين بأنها لصالح حركة فتح، لأسباب عدة، منها أن نظام النقابة يخصص مقعدًا لكل محافظة بغض النظر عن عدد المهندسين فيها، فمثلاً يوجد مقعد من 15 للفائز عن محافظة نابلس التي تضم في عضويتها 5 آلاف مهندس من أصل 22 ألفًا هم مجمل أعضاء النقابة، والتي فازت فيها الكتلة المدعومة من حماس فيها بجميع المقاعد وبتقدم ملفت عن كتلة فتح، بينما مثلاً يوجد مقعد مماثل لطوباس التي لا يتجاوز عدد المصوتين فيها 120 وأريحا الأقل منها، وكذلك سلفيت.
كما أن نظام الانتخابات في كل محافظة يُقسم من حيث التصويت الفرعي لتصويت لرئيس الفرع وتصويت لقائمة الأعضاء للفرع، حيث أن فوز مرشحي فتح بمنصب رئيس الفرع قابله تقاسم وتوزيع للأعضاء في كثير من المحافظات لهيئة المحافظة.
ويضاف إلى ذلك الحالة الأمنية التي تفرضها السلطة والتي تعكس ذاتها على واقع النقابات، فمثلاً مُنع المرشحون المنافسون لكتل فتح من عقد كثير من لقاءات الدعاية الانتخابية والالتقاء بمهندسين، فمثلاُ تم طردهم من جامعة بوليتكنك الخليل، في حين فتحت الأبواب لكتلة فتح، وكذلك منعوا من دخول مؤسسات مختلفة وعقد لقاءات للقاء مهندسين في عديد أماكن.
علاوةً على حالات التزوير التي تمت بأكثر من موقع، فمثلاً دفعت حركة فتح رسوم انتساب عدد كبير من المهندسين مقابل تصويتهم وأثار ذلك حالة من الغضب الشديد بين المهندسين، إضافة إلى قيام مجموعات من فتح بتزوير بطاقات تصويت مهندسات في طولكرم وهو ما أحدث أزمة شديدة كادت تعصف بالانتخابات هناك، عدا عن التعميم الذي صدر للمهندسين الموظفين الوزارات والدوائر الحكومية، ومتابعات الأمن وغير ذلك.
تغول على العمل النقابي
تعاني النقابات في فلسطين من تغوّل أمني وهيمنة واحتواء أدى لإفراغ معظمها من محتواها، في الوقت الذي تشكل فيه النقابات في المجتمعات الركن الأساسي لحماية حقوق الناس وصون الحريات.
يقول الإعلامي المختص في حقوق الإنسان والشأن القضائي ماجد العاروري: "إن نجاح المهندسة حبش بمنصب نقيب المهندسين، رسالة سياسية اجتماعية مهنية أن التغيير قادم، ونقابات اليوم ستكون غير نقابات الماضي".
وأشار العاروري على صفحته على "فيس بوك" إلى أن النقابات يقع على عاتقها "دور كبير في تحقيق عملية البناء الوطني الديمقراطي وليس فقط في الدفاع عن مصالحها، فالنقابات هي خط الدفاع الأول عن الحريات بعد السطوة التي تعرضت لها منذ نشوء السلطة وإفراغها من مضمونها الديمقراطي، وعلى النساء أن تدرك قوتها منذ اليوم".
ويروي مهندسون لـ"صفا" أن هيمنة حركة فتح على نقابة المهندسين في السنوات الماضية تسببت في فقدان النقابة لدورها، حيث يتم التحكم بقراراتها من التنظيم، إضافة إلى عدم خوض أي مواجهة نقابية مع الحكومة ما أضر بحقوق شرائح عديدة من المهندسين.
وكذلك فإن ملفات شبهات الفساد في مشاريع عديدة تخص النقابة ومنها ما ارتبط بالمجمع السكني للمهندسين في نابلس، وغيره من الملفات أثارت غضب أعضاء النقابة.
