لطالما كان الدعم الأمريكي لـ"إسرائيل" وسياستها في التوسع الاستيطاني ثوابت لا يمكن أن تتغير لصنّاع القرار السياسي في واشنطن؛ لكن على الأرض، سجّلت الأحداث رفضًا شعبيًا لتلك السياسة "الأزلية" في بلاد العم سام.
وعلى الرغم من أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي اللذان يتصارعان كل فترة رئاسية على انتزاع إدارة البيت الأبيض؛ إلا أنهما يوقفان ذلك النزاع ويتّحدان عندما يتعلق الأمر في الدعم الأعمى لـ"إسرائيل" عسكريًا وماليًا وسياسيًا.
لكن استمرار تلك الحالة منذ نشوء الكيان منذ 73 سنة لم يكن ليُرضي قطاعات واسعة من الرافضين للظلم الواقع على الشعب الفلسطيني الذي يحمل لقب الشعب الوحيد في العالم الواقع تحت احتلال حتى اليوم.
وقد استفادت تلك القطاعات الشعبية والأهلية وغير الحكومية في الولايات المتحدة من حرية الرأي والتعبير ومناصرة الشعوب المظلومة في تنظيم حالة من التأييد الواسع للشعب الفلسطيني، على الرغم من نُدرة ما يتلقاه الجمهور الأمريكي لما يحدث من انتهاكات بحق الفلسطينيين طوال 7 عقود.
فمنذ ولاية الرئيس السابق للبيت الأبيض التي استمرت 4 سنوات، شهدت "إسرائيل" دعمًا غير مسبوق من دونالد ترامب، شملت الكثير من أحلامٍ حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتيناهو تحقيقه على مدار عقود لصالح كيانه.
فقد شمل ذلك إعلان التراجع عن حل الدولتين وعن رعاية عملية التسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كما اعترف بالقدس عاصمة للكيان وقام بالفعل بنقل السفارة الأمريكية إليها، وأقر بشرعية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، وأوقف مساعدات واشنطن إلى السلطة الفلسطينية ووكالة الغوث.
لكن تلك الحالة من الدعم اللانهائي لـ"إسرائيل" دفع الرأي العام في الولايات المتحدة لتحريك الشارع تأييدًا للفلسطينيين؛ خصوصًا عندما اندلعت شرارة ذلك التأييد لما رأته الشعوب في دول العالم من إقدام الاحتلال على طرد عائلات فلسطينية في حي الشيخ جراح، وما أعقبه من اعتداء على المصلين في المسجد الأقصى.
ثم تتالت الأحداث عندما تدخلت المقاومة في غزة لوقف تلك الاعتداءات، وما أعقبه من عدوان إسرائيلي على القطاع أوقع خسائر بشرية ومادية هائلة على مدار 11 يومًا، خلال معركة "سيف القدس".
وعلى عجل؛ تفاعل الشارع الأمريكي مع ما بثته مواقع التواصل الاجتماعي من تغريدات نصية ومصورة لما يحدث من اعتداءات إسرائيلية، سرعان ما دفعت الرأي العام في عددٍ من الولايات للتظاهر غضبًا مما يجري.
فقد أكدت العديد من الصحف الأمريكية أن القضية الفلسطينية عادت إلى الصدارة من جديد واتضح أنها لم تفقد رمزيتها ومركزيتها.
في المقابل؛ وكما هو متوقع، فإن مركز صنع القرار في واشنطن كان له رأي آخر حيال ما يجري في الأرض الفلسطينية، حيث أكد الرئيس الأمريكي على حق "إسرائيل" بالدفاع عن نفسها أمام الفلسطينيين.
إلا أن موقف بايدن لم يكن ليُرضي بقية أعضاء حزبه في الكونغرس؛ فقد ظهرت أصوات من الحزب الديمقراطي تدعو لإدانة الاعتداءات الإسرائيلية بشكل علني وصريح بضرورة فرض عقوبات على الكيان، تماشيًا مع الرأي العام للشارع الأمريكي الغاضب.
ويُذكر أن 27 نائبًا ديمقراطيًا استجاب للتظاهرات التي عمت تقاطعات وشوارع رئيسية في عددٍ من المدن الأمريكية من خلال محاولة إصدار مشروع قرار يطالب بوقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية و"إسرائيل" وتعطيل إقرار صفقة أسلحة لصالح الكيان لحين استجابتها لدعوات واشنطن.
وهنا لا يمكن نكران فضل وسائل التواصل الاجتماعي التي جابهت دور الإعلام الأمريكي التقليدي في توجيه الرأي العام للتعاطف مع "إسرائيل"، حيث ساهمت تلك المواقع في نقل الصورة مجردةً لتترك للمتلقي الحكم بذاته على ضرورة الانتصار "للجلاد أو للضحية".
وفي العموم، فإن ما جرى من انتصار شعبي أمريكي للقضية الفلسطينية يعتبر تحوّلاً طارئًا لصالح الفلسطينيين أمام النفوذ الطاغي لليهود الأمريكيين في السيطرة على دوائر صنع القرار الأمريكي، وهو ما يستوجب استغلاله من الحكومات والشعوب العربية لصالح القضية الفلسطينية.
