تعقيباً على أحداث رفح، دعا علماء دين إلى مواجهة الفكر الجديد الذي يتبناه بعض "الشباب المتهور"، والذي يتبنى "تكفير المجتمع الفلسطيني وضرورة إعلان إمارة إسلامية لتطبيق حكم الله دون انتظار أحد".
واعتبر العلماء، في أحاديث منفصلة لـ"صفا" أن هذا الفكر يتنافي مع روح الدين الإسلامي بشموليته ووسطيته، وأن الوقوف في وجه هذه الأفكار يمثل فريضة شرعية وضرورة بشرية.
واندلعت في مدينة رفح عصر الجمعة حتى صباح السبت، اشتباكات عنيفة بين الشرطة الفلسطينية وعناصر متشددة "ذات فكر تكفيري" بقيادة عبد اللطيف موسى الذي أعلن خلال خطبة الجمعة في مسجد ابن تيمية -الذي يتخذ منه معقلاً- انطلاق إمارة إسلامية في بيت المقدس بدءاً من رفح".
وسقط على إثر الاشتباكات 24 قتيلاً (بينهم موسى ومساعده) وأكثر من 135 جريحاً، بينهم 20 في حالة الخطر.
واستنكر رئيس مجلس القضاء الأعلى في قطاع غزة حسن الجوجو "إعلان إمارة إسلامية في رفح"، وقال: "ليست بهذه الصورة تطبق الأحكام الشرعية وتقام دولة الإسلام، فدولة الإسلام تقام ضمن نتاج دعوي ومجهود واضح في ظل معطيات واضحة".
ولفت إلى أن العلماء يقولون "إننا لا نطبق أحكام الشريعة الإسلامية في ظل ظروف استثنائية، فهناك مؤيدات تشريعية لإقامة الحدود، إذا أردنا تطبيق حد السرقة فلا بد أن نقوم بتوفير لقمة العيش للناس، وهكذا".
وأكد أن تطبيق الشرع يبدأ بإقناع الناس وأخذهم للإسلام بشكل تدريجي، لافتاً إلى أن إلزام الناس بأمور معينة والظروف غير مهيئة، يعتبر ضربا من الوهم، إذ إن الإسلام لم يقم بحد السيف.
ونوه إلى أن هذا الفكر يتنافى تماما مع الفكر الوسطي الذي دعا إليه الإسلام، وقال إن هذه القناعات توقعنا في إشكاليات كبيرة على كل الصعد وتوقع الشباب في تطرف واضح يكون له آثار مدمرة في علاقة الشباب مع بيته ومجتمعه، فتقوم تصرفاته على الحدة والندية والتسلط والجبروت بعيداً عن روح الإسلام في الوسطية.
كما ذكر بأن هذه الأفكار يمكن أن تنعكس علينا سلباً بادعاء بعض الناس الذين أخفقوا في استئصال الدعوة الإسلامية الملتزمة بأن هناك امتداد للقاعدة في غزة فيتآمروا تحت هذا الشعار على قطاعنا الحبيب بشتى أنواع المؤامرات تحت هدف اجتثاث القاعدة، كما قال.
وكان رد الحكومة تجاه "فئة رفح"، وفق الجوجو، في محله وأنه جاء متأخراً، وقال: "هؤلاء الذين لا يفهمون الإسلام حق فهمه سيسوقون الناس إلى متاهات، هؤلاء نبتوا في جو خاطئ، والأصل على الحكومة منذ البداية أن تقلم أظافرهم".
وتابع: "أنا أؤيد ما فعلته الحكومة لأنه لا يجوز على أحد أن يأخذ القانون بيده، نحن حقيقة لا نعيش وضعا إسلاميا، ولكن وجود قانون أفضل من عدم وجوده، حتى لا تكون هناك شريعة غاب".
وتوافق الداعية المعروف د. حازم السراج مع الجوجو في أن هذه الأحداث مؤسفة ومؤلمة، ولا يقبلها مسلم مؤمن موحد بالله، لكنه استدرك: "لكن من أين أتانا هذا الفكر المتطرف الذي يقصي الآخر ولا يتعرف به؟ ويعامل من ليس معنا كأنه علينا يكفر بالله ورسوله".
وقال متسائلا: "اعتبار أن المجتمع كافر وأنه لا بد لنا أن نعلن إمارة مسلمة وأنه لا بد أن تطبق حدود الشريعة في ظرف الوضع الاقتصادي والنفسي والاجتماعي المدمر الذي نعيشه، شيء خطير، ومالم نقدم نحن الآن القدوة التي يقتدي بها الناس، فكيف نطبق عليهم الشريعة؟".
وأوضح السراج أن خطورة هذا الفكر أنه يقصي الآخر، وعزا انتشار هذا الفكر بين الشباب للفراغ والضغط النفسي والواقع الصعب وعدم وجود علماء ربانيين يوضحوا للناس حقيقة الإسلام وهو ما سيؤدي لنتائج كارثية.
وعدّ أن القاعدة السليمة التي يدعو إليها الإسلام تكمن في قوله تعالى "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"، داعياً إلى أن يتحاكم الجميع إلى شرع الله عز وجل.
وناشد أصحاب "الفكر التكفيري المنحرف" أن يعودوا إلى رشدهم وأن يعرفوا حقيقة العلم وحقيقة الدين، فيما دعا الحكومة الفلسطينية إلى أن تنظر للجميع كحكومة الشعب كله بجميع طوائفه فتجد السبل للحل.
أما عن استخدام السلاح فقال: "هذا أمر أنا لا أقره أبدا، القتل جريمة، هؤلاء لا بد أن يستتابوا وأن يراجعوا، إن هم بادروا بإطلاق النار ترد عليهم ولكن لا بد من توسيع الدائرة، لأن هذا فكر والفكر يواجه بفكر مثله ولا يواجه بالسلاح".
بدوره، انتقد الداعية الإسلامي الكويتي الشيخ حامد العلي الإعلان عن إمارة إسلامية في غزة، وقال: "نهج الإصلاح لا بد أن يكون تدريجيا مراعياً ضرورات المرحلة التي تستدعي تقديم الأولى فالأولـى وترجيح الأهمّ على المهـم وهو يكسب قلوب الناس بهذه النهج الحكيم ليقيـم المشروع الإسلامي على قاعدة صلبة وتطبيق سليم".
وناشد العلماء والعقلاء في فلسطين بالتدخل لدرء هذا الشـرّ قبل أن يستفحـل، وتجنّب أسباب الانشقاق، والكـفُّ عن إعلان كلّ ما يوجب الفرقـة ويزيد معاناة الشعب الفلسطيني ويمعن في إضعاف خـطّ الجهـاد.
وأكد العلي –وهو أحد منظري الجماعة السلفية- على أن قطاع غزة يعيش الآن في ظـلِّ توجه إسلامـي "لا نشكّ في إخلاصه ومعروف بمسيـرته الجهادية المشـرِّفة، وتضحياته الكبيرة في تاريخ الجهـاد الفلسطيني، مجتهداً ألا يتنازل عن ثوابت الأمة وطريق التحرير والتمسك بالحقوق المشروعة".
ودعا لدعم التوجُّـه الإسلاميّ الموجود أصلا في غـزّة، والتعاون معه تعاوناً كامـلاً، والتنازل عن كلِّ ما يعارض هذا التعاون الواجب إيثاراً للمصلحة العامة ودرءاً لمفاسد الشقاق التي حـذّر منها القرآن أشـدّ التحذيـر.
