تعاملت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية مع المعارضين لجريمة اغتيال الناشط والمعارض السياسي الشهيد نزار بنات على يدها، بتدفيعهم ثمن تنديدهم ومطالبتهم بمحاسبة الفاعلين.
ومنذ قتل بنات في 24 يونيو المنصرم حوّلت الأجهزة الأمنية، الضفة الغربية المحتلة لساحة حرب ضد حرية الرأي، استخدمت فيها كافة أساليب القمع للاحتجاجات المستمرة ضد قتل بنات، وفيها دفع الكثير ثمن هذه الحرية بالاعتقال والضرب والاعتداء عليه وعلى ممتلكاته.
واغتيل بنات خلال عملية اعتقاله بعد تعرضه للضرب المبرح من عناصر أمنية أثناء تواجده في منزل لعائلته جنوبي الخليل، وبعد نحو ساعة من الاعتقال أعلن محافظ الخليل وفاته.
وأظهرت نتائج تشريح الجثمان أن سبب الوفاة غير طبيعي، مؤكدة تعرضه لضرب مبرح في جميع أنحاء جسده أدت لنزيف في الرئتين بسبب الضرب والاختناق.
على طريقة "تدفيع الثمن"
ومن النشطاء والبارزين الذين دفعوا ثمن معارضة جريمة قتل بنات، الصحفي علاء الريماوي الذي تلقى رسائل تهديد بالتزامن مع حملة تحريض تستهدفه؛ بسبب حديثه عن جريمة اغتيال بنات.
وفي اليوم التالي تلقى الريماوي اتصالًا من النيابة العامة في رام الله لاستدعائه للتحقيق على خلفية قضية رفعتها وزارة الأوقاف ضده، على خلفية الخطبة التي ألقاها في مسجد وصايا الرسول بمدينة الخليل الجمعة قبل الماضية، خلال تشييع جثمان المعارض بنات.
وأمس الأحد أعلن الصحفي الريماوي خوضه إضرابًا مفتوحًا عن الطعام؛ احتجاجًا على قيام نيابة رام الله بتحويله موقوفًا إلى نيابة الخليل بعد استدعائه صباحًا، بحسب ما أفادت مجموعة "محامون من أجل العدالة".
وتمارس أجهزة السلطة في الضفة حملة تشويه ضد نشطاء وشخصيات فاعلة في المجتمع، وهي ذات الحملة التي مارستها ضد بنات قبل اغتياله وخلال حملات ملاحقته واعتقاله، وممن دفع الثمن أيضًا الطبيب غانم ازريقات الذي تعرض لاعتداء مسلح من أفراد من الأجهزة الأمنية في الخليل، كما تعرضت عيادته لإطلاق نار.
وجاء الاعتداء على ازريقات بسبب مواقفه من الرفض والاستنكار القاطع لقتل الشهيد بنات.
واعتبرت حراكات ومؤسسات وكتل منها حراك "طفح الكيل" ولجنة أهالي المعتقلين بالضفة ومؤسسات حقوقية أن ما تعرض له ازريقات والسعدي وغيرهما هي محاولات اغتيال واضحة.
وتخّفت عناصر الأمن التابعة للسلطة خلال ارتكابها الاعتداءات على النشطاء والمواطنين والصحفيين الزي المدني كما نفذت الاعتداء على ممتلكات بعض الأطباء والصحفيين والمرشحين في ساعات متأخرة من الليل، وهي أساليب مقاربة لما تمارسه جماعة مستوطني "تدفيع الثمن" ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة والقدس والداخل.
وخلال موجة الاحتجاجات اعتقلت الأجهزة الأمنية مرشح كتلة طفح الكيل الانتخابية غسان السعدي بعد الاعتداء عليه خلال الاحتجاجات المنددة بجريمة اغتيال بنات في رام الله، وهو أسير محرر أول جريح في الانتفاضة الأولى بجنين، وسبق أن استدعته أجهزة السلطة عدة مرات وقدمت ضده شكوى "قدح مقامات عليا".
ويُعد السعدي من أبرز الناشطين في الكثير من الحراكات والفعاليات الشبابية والاحتجاجات ضد التطبيع والفساد ونهب شركات الاتصال وهو من المدافعين عن حقوق الإنسان والمظلومين والمسحوقين، كما أنه عضو مجلس طلبة بمعهد قلنديا عام 1987.
وفي حملتها ضد المعارضين لقتل بنات اعتقلت أجهزة السلطة المحامي مهند كراجة قبل أن تفرج عنه بعد إلزامه بالتوقيع على تعهد بالحضور للتحقيق في النيابة.
هذا واعتقل خلال موجة فض الاحتجاجات بالضفة فريد الأطرش الذي كشفت مصادر عن أن أجهزة السلطة "طلبت من الاحتلال اعتقاله وأن يريحهم منه".
ومن النشطاء الذين دفعوا ثمن نصرة الشهيد بنات، ليس على سبيل الحصر: جهاد عبدو وعز الدين زعول، سالم قطش، وغيرهم.
كما تعرض المحامي أسامة فخري لاعتداء وحشي بالضرب بالهراوات من قبل عناصر السلطة، وهو ابن مرشح كتلة طفح الكيل فخري جرادات، حيث أوقعته عناصر الأجهزة الأمنية أرضاً وقامت برش الغاز على وجهه ثم إلى داخل فمه بطريقة وحشية، وقاموا بمصادرة المحمول الخاص به، مثله مثل معظم المشاركين في الاحتجاجات.
الحبل على الجرار
وما يزال حبل أجهزة أمن السلطة على الجرار في استهداف الحريات العامة بالضفة، وهو ما حذرت من مغبة استمراره مؤسسات حقوقية محلية ودولية.
وحذرت مجموعة "محامون من أجل العدالة" من استمرار حالة التعدي غير المسبوقة على حقوق الإنسان وحرياته في الضفة، مشددة على خطورة التراخي في التعامل مع قضية اغتيال بنات.
وأكدت المجموعة في بيان لها على خطورة هذه الحالة في الوقت الذي يستمر فيه خطاب التحريض وتجييش الشارع في محاولة لتبرير هذه الجرائم التي ترتكب ضد منظومة حقوق الإنسان.
هذا واعتبرت مؤسسات حقوقية أن حالة الصمت تجاه ما تقوم به الأجهزة الأمنية من اعتداءات ضد الحقوق والحريات العامة تعكس مدى هشاشة الجهاز القضائي وخضوعه بالكامل لسيطرة السلطة التنفيذية.
ومع دخول اليوم الـحادي عشر على اغتيال بنات لا تزال الضفة تشهد اعتقالات تستهدف النشطاء والصحفيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان، متجاهلة كافة الأصوات المنددة والمطالبة بوقف هذه الممارسات، في الوقت الذي لم يتم فيه فتح أي تحقيق جنائي من قبل الجهات القضائية في ملف الاغتيال.
