لم تزل "قبس" تذكر دقة الباب ورنين الجرس، وتسابق إخوتها على الباب لاستقبال والدها نزار بنات بعد طول غياب بسبب ملاحقته من الأجهزة الأمنية على خلفية نشاطه المكافح للفساد.
"أخذوا أبي حيًا وأعادوه لي جثة هامدة مصبوغة بآثار اعتدائهم"، هكذا تقول "قبس" لوكالة "صفا"، وهي لم تصدّق بعد أنها فقدت والدها إلى الأبد بهذه الطريقة البشعة.
وتعرض بنات للضرب المبرح خلال اعتقاله من عناصر أمنية أثناء تواجده في منزل لعائلته جنوبي الخليل، فجر الخميس الماضي، وبعد نحو ساعة من الاعتقال أعلن محافظ الخليل وفاته، فيما اتهمت عائلته الأمن باغتياله.
وأظهرت نتائج تشريح الجثمان أن سبب الوفاة غير طبيعي، مؤكدة تعرضه لضرب مبرح في جميع أنحاء جسده أدت لنزيف في الرئتين بسبب الضرب والاختناق.
وتقول الطفلة قبس إن رحيل والدها ترك فراغًا لا يوصف، إذ "لم يكن أبًا فقط بل كان صديقًا وحبيبًا وعزًا وسندًا، كان قطعة من روحي رحل ولم يعد".
وتضيف "إخوتي كفاح، وخليل، ومريم وماريا، أصغرهم بعمر شهرين وأكبرهم بعمر أربع سنوات، لم يرحمهم إجرام الأجهزة الأمنية وأذاقهم اليتم".
وتؤكد الطفلة أنها ستكمل طريق والدها من حيث توقف في كشف الفساد وفضحه، وستستمر في النضال الذي خاضه "حتى آخر نفس".
وتطالب ابنة بنات الجماهير بالحفاظ على حقه ومحاسبة المسؤولين عن اغتياله، والاستمرار في القضية التي ناضل واستشهد في سبيلها والدها.
وبالتزامن مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، قمعت الأجهزة الأمنية آلاف المتظاهرين الذين خرجوا للتنديد بجريمة اغتيال المعارض بنات، في مدينة رام الله.
ويقول المحامي مهند كراجة مدير مجموعة "محامون من أجل العدالة"، إنه: "من المؤسف تزامن اليوم العالمي لمناهضة التعذيب مع وصول حالات كثيرة إلى المشفى بسبب الاعتداء الجسدي من الأجهزة الأمنية خلال تظاهرة سلمية منددة باغتيال بنات".
ويضيف لوكالة "صفا" أن "الأجهزة الأمنية اعتدت على خمسة صحفيين بالضرب، وهناك أكثر من 50 إصابة تم التبليغ عنها، بالإضافة إلى مئات الإصابات بالغاز، و15 حالة اعتقال خلال قمع الأجهزة الأمنية للمتظاهرين".
وأشار كراجة إلى أن المسؤولية تقع على عاتق مؤسسات المجتمع المدني لمساءلة المسؤولين عن اغتيال بنات أولًا، وكذلك الاعتداء على المتظاهرين، في ظل غياب المساءلة من النيابة العامة والقضاء العسكري".
وكانت مجموعة "محامون من أجل العدالة" نشرت تقريرها الأول بعنوان "الاعتقال التعسفي خلال عام من حالة الطوارئ"، والذي رصد 79 حالة اعتقال من أصل 100 على خلفية الانتماء السياسي وممارسة حرية التعبير.
وبين التقرير "تعرض 33 معتقلًا لسوء معاملة لفظية، أو حرمان ومماطلة في العلاج، أو ضغوط من أجل فك الإضراب عن الطعام، وبينهم 23 معتقلًا تعرضوا للاعتداء الجسدي".
أما الناشط عيسى عمرو فيقول لوكالة "صفا"، إن: "الأمن الفلسطيني والقيادة السياسية أثبتتا من خلال قمع مظاهرة سلمية، أن ما حصل مع المرحوم نزار بنات لم يكن صدفة، وإنما نتيجة التحريض المستمر على المعارضين وخلق بيئة عنيفة ضدهم".
ويضيف "ما حصل يعتبر جريمة يجب أن يحاسب مرتكبيها"، مؤكدًا أن الحراك الشعبي سيستمر حتى إصلاح منظمة التحرير "ومعاقبة القتلة والمحرضين".
