يستبسل البيتاويون وترتفع روح التحدي مع كل يوم يمضي على بؤرة "أفيتار" وهي لا تزال تجثم على قمة جبل صبيح جنوب نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة.
يدرك أهالي بلدة بيتا والقرى المجاورة أنهم بما يبذلونه من تضحيات لا يدافعون فقط عن أراضيهم أمام زحف الاستيطان، بل يدافعون في الوقت نفسه عن وحدة الجغرافيا بالضفة التي مزقتها مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
ويقع جبل صبيح إلى الجنوب من بلدة بيتا جنوب نابلس، وهو يتوسط ثلاث قرى هي إلى جانب بيتا، قبلان ويتما بتعداد سكاني فلسطيني يزيد عن 25 ألف نسمة.
لكن هذه القرى ليست وحدها المتضررة من خطر البؤرة الاستيطانية، فهذه البؤرة تقع وسط تجمع سكاني كبير يضم مجموعة من القرى والبلدات الفلسطينية التي تقع على امتداد الطريق الواصل بين حاجز زعترة بالغرب وأريحا والأغوار بالشرق.
وتعود بدايات محاولات الاحتلال الاستيلاء على جبل صبيح إلى ثمانينات القرن الماضي، عندما أقامت سلطات الاحتلال نقطة عسكرية على قمته على بُعد 1.5 كم إلى الشرق من حاجز زعترة.
وعندما وضع الاحتلال النقطة العسكرية، كان التفكير بتحويل الموقع إلى مستوطنة لاعتقادهم بأن الأمور ستكون سهلة.
وفي عام 2013 قتل مستوطن بعملية طعن وقعت عند حاجز زعترة، فانتهز المستوطنون الفرصة ووضعوا عددا من البيوت المتنقلة في موقع النقطة العسكرية لتكون نواة لبؤرة استيطانية أطلقوا عليها اسم "افيتار"، وهو الاسم الأول لذلك المستوطن.
لكن أمام التصدي الحازم من أهالي بيتا لهذه البؤرة وقيامهم بسلسلة فعاليات ومسيرات احتجاجية، أُجبر الاحتلال على تفكيكها.
وفي عام 2018، كرر المستوطنون محاولاتهم عقب مقتل حاخام يهودي قرب مستوطنة "أرئيل" شمال سلفيت، ووضعوا بيوتا متنقلة، وتصدى لها الأهالي بقوة، ما أجبر الاحتلال على تفكيكها مرة أخرى.
وفي مايو/ أيار هذا العام، قًتل مستوطن وجرح آخران بعملية إطلاق النار التي وقعت عند حاجز زعترة، فسارع المستوطنون لنصب خيام في موقع البؤرة، ثم وضعوا بيوتا متنقلة.
وخلال أيام باشر المستوطنون بناء بيوت خرسانية ثابتة ازداد عددها تدريجيا ليصل إلى أكثر من أربعين، بمبادرة من الحركة الاستيطانية "نحالاه"، وبتمويل ومساعدة لوجستية ومشاركة من جنود الاحتلال، ودعم ما يسمى المجلس الإقليمي "شومرون".
وتقوم البؤرة على مساحة نحو 20 دونما من أصل 840 دونما هي مساحة جبل صبيح الذي تعود ملكية أراضيه لأهالي بيتا ويتما وقبلان، لكن هناك مخاوف من أن تتوسع مستقبلا على أراضي هذه البلدات.
وقال موسى حمايل عضو بلدية بيتا، لوكالة "صفا": "خلال 20 يوما أقام المستوطنون 40 بيتا، وإذا لم يكن هناك وقفة حازمة منذ البداية، فمن المؤكد أنها ستتمدد على مساحة أكبر".
وأضاف أن "هذه الأراضي ملكيات خاصة وتم استخراج قيود ملكية لها، وتقع في الأحواض الطبيعية لبلدات بيتا وقبلان ويتما".
تهديد كبير
وباتت آلاف الدونمات الزراعية لأهالي المنطقة مهددة بفعل هذه البؤرة، خاصة أراضي بيتا، إذ إن التمدد الطبيعي للبؤرة سيكون باتجاه الشمال والشرق حيث تقع بلدة بيتا، ويعني ذلك الاستيلاء على آلاف الدونمات.
ويقول حمايل: "أراضي بيتا في جبل صبيح مزروعة بأشجار الزيتون، وإذا بقيت البؤرة فلن نتمكن من الوصول إلى أراضينا الزراعية هناك إلا بموافقة الاحتلال".
ويؤكد أنه من أجل ذلك لن ينتظر أهالي بيتا حتى يحصل هذا، ولن يسمحوا للبؤرة بأن تبقى وتثبت.
وليست الزراعة فقط ما سيتأثر بهذه البؤرة التي تطل على المنطقة الصناعية في بيتا والواقعة أسفل الجبل مباشرة.
ويتخوف أصحاب تلك المصانع من أن يتم تسليط مياه المجاري من البؤرة على المنطقة الصناعية، ما سيجبرهم على الرحيل.
مخطط استراتيجي خطير
وبموقعها الاستراتيجي عند بداية طريق الأغوار، فإن بقاء البؤرة يعني البدء بالشق الأخير من السلسلة الاستيطانية التي يراد لها أن تقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة مع وسطها وجنوبها.
وبعد أن اكتمل إغلاق الجزء الغربي من هذه السلسلة، جاء الوقت لإغلاق الجزء الشرقي، وهو ما يهدد بتحول حاجز زعترة ليكون البوابة الوحيدة للتنقل ما بين شمال الضفة ووسطها.
رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وليد عساف قال لوكالة "صفا" إن هذه البؤرة تأتي ضمن مخطط استراتيجي إسرائيلي للسيطرة على الضفة، إذ تأتي هذه البؤرة ضمن الحزام الاستعماري الذي يقسم الضفة ويفصل شمالها عن وسطها.
وأضاف أن "هذه البؤرة تشكل امتدادا للكتلة الاستيطانية الأكبر في الضفة الغربية، والتي تبدأ من رأس العين غربا، مرورا بمستوطنات "الكناة" و"بركان" و"أريئيل" و"تفوح" وحاجز زعترة، ثم تتجه شرقا إلى مستوطنات الأغوار".
ولفت إلى أن هذه البؤرة ستكون نقطة انطلاق لغلاة المستوطنين المتطرفين لتنفيذ اعتداءاتهم على أصحاب الأراضي التي تقدر مساحتها بعشرات آلاف الدونمات على امتداد شارع زعترة.
وبيّن أن خطر بقاء هذه البؤرة يزداد مع وجود حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل، تضع على رأس أولوياتها شرعنة البؤر الاستيطانية.
