كانت الدماء تغطي بالكامل رأس الفتى أحمد بينما كان رفاقه يركضون به فوق تضاريس وعرة لإيصاله إلى سيارة الإسعاف.
كانوا يدركون أنهم يحملون شهيدا، وكان هو في غيبوبته يلمح اقتراب الفوز بتجارته الرابحة من أجل فلسطين.
عصر يوم الأربعاء، توجه أحمد زاهي بني شمسة (16 عامًا) مع أقرانه إلى جبل صبيح جنوب بلدة بيتا جنوب نابلس لبدء جولة جديدة من جولات "الإرباك الليلي" للمستوطنين ولجنود الاحتلال الذين يحرسون البؤرة الاستيطانية "أفيتار".
لم يعلم أحمد ورفاقه أن الجنود يستعدون لارتكاب جريمة جديدة ترفع فاتورة الدم التي بدأتها بلدتهم قبل شهر ونصف في سبيل كنس البؤرة الاستيطانية عن أرضها.
يقول ياسر، أحد شهود العيان لوكالة "صفا": "كنا على مسافة 300 متر من البؤرة عندما تفاجأنا بكمين نصبه لنا جنود كانوا يختبئون بين الأشجار".
حيث أطلق الجنود رصاصتين باتجاه أحمد، أخطأته الأولى، لكن الثانية أصابت رأسه مباشرة، وتسببت بتهتك الجمجمة وخروج أجزاء من دماغه.
سارع الشبان لنقل أحمد، لكن كان عليهم السير به لمسافة طويلة عبر الجبل للوصول إلى سيارة الإسعاف التي وصلها وقلبه متوقف عن الخفقان.
عمل طاقم الإسعاف بكل جد لإنقاذ أحمد، ونجح بإعادة قلبه للخفقان، ونقله إلى مستشفى رفيديا بنابلس، وأجريت له هناك عملية جراحية لإيقاف النزيف، ونقل بعدها للعناية المكثفة ليمضي فيها ساعاته الأخيرة.
نسمات الشهادة
زاهي بني شمسة، والد أحمد، كان قد هيأ نفسه لتلقي نبأ استشهاد ولده، وبعد أن أطلعه الأطباء على صعوبة حالته الصحية، دعا الله تعالى أن يختار له الأحسن.
وفي ساعات الفجر، كانت نسمات الشهادة تهب على نابلس، فتوقف قلب أحمد مجددًا معلناً ارتقاء رابع شهداء معركة الدفاع عن جبل صبيح.
ووقف الأب المكلوم قرب رأس ابنه حابساً دمعاته، مبدياً قدراً كبيراً من رباطة الجأش والثبات، وقال: "الله يرحمك يا إبني، الله يرضى عنك ويقبلك شهيد من الشهداء".
ويصف زاهي ابنه بأنه كان مقدامًا وجريًئا ولا يخشى الجنود ولا رصاصهم، ويقول لوكالة "صفا": "أخبرني البعض عن مشاركة ابني في المسيرات والمواجهات في جبل صبيح، وحاولت مراراً ثنيه عن ذلك، لكنه لم يتوقف".
ويضيف: "كنت أنصحه بأن يدخر نفسه ليوم أعظم، ليشارك بتحرير فلسطين يومًا ما، لكنه كان له عالمه الخاص مع أصدقائه الذين يتسابقون لمواجهة الاحتلال سعيًا لنيل الشهادة".
ويبدو أن أحمد الذي عمل في قطاع البناء، كان يسعى بجدّ لنيل الشهادة، ففي صبيحة يوم استشهاده، امتنع عن التوجه لعمله، ولم يستجب لاتصالات مشغّله الذي طلب منه المجيء.
تواصلت أمه مع أبيه وأخبرته أن ابنه لم يذهب لعمله هذا اليوم، فارتأى الأب ألا يضغط عليه ظنًا منه أنه يريد الحصول على قسط من الراحة، دون أن يدري ما يدور في خلده.
ويقول والده: "عند الظهيرة، غادر أحمد المنزل للمرة الأخيرة، وأخبر والدته أنه غيّر رأيه وسيتوجه إلى عمله، لكنه كان ذاهبًا إلى تجارته الدائمة والرابحة مع الله".
ويضيف: "أحمد اختار طريقه بنفسه، وحقق الهدف الذي عمل لأجله".
