تواصل بلدة بيتا جنوب نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة تقديم أبنائها شهداء في معركة الدفاع عن أراضي المنطقة ومنع أي وجود استيطاني على جبالها.
وقبل أن تجف دماء الشهيد عيسى برهم، كان معلم اللغة العربية زكريا حمايل (28 عاما) يقتفي أثره ويروي بدمه جبل صبيح ويدوّن اسمه في سجل المدافعين عن هذا الجبل المهدد بالاستيطان.
واستشهد حمايل متأثرًا بإصابته برصاصة أطلقها عليه جندي من كاتم للصوت كما يؤكد شهود العيان، اخترقت صدره وأصابته في مقتل، ليعلن عن استشهاده فور وصوله مستشفى رفيديا بنابلس.
وكانت مواجهات عنيفة قد اندلعت بعد ظهر الجمعة بين المئات من الشبان وقوات الاحتلال والمستوطنين على مقربة من موقع بؤرة استيطانية شرع المستوطنون بإقامتها مؤخرا على قمة جبل صبيح الذي يتوسط بلدات بيتا ويتما وقبلان.
فقد خرج أهالي بلدة بيتا والقرى المجاورة بمسيرة جماهيرية بعد أداء صلاة الجمعة على الأراضي القريبة من البؤرة الاستيطانية، ودارت مواجهات بينهم وبين قوات الاحتلال التي حاولت منعهم من التقدم باتجاه البؤرة.
وتجددت المواجهات بعد العصر مع اقتراب الشبان من البؤرة، وقيام المستوطنين بإطلاق الرصاص الحي، ووجهت نداءات استغاثة لأهالي بيتا لنجدة الشبان ومؤازرتهم.
بكلمات مثقلة بالجراح تحدث شقيقه نضال عن الساعات الاخيرة لشقيقه قبل نيله الشهادة، وقال لوكالة "صفا": "الحمد لله، لقد طلب الشهادة بصدق ونالها".
واضاف: "كلما كنا نحدثه عن الزواج، كان يرفض ويقول لنا أنه يريد الزواج في الجنة".
وأشار إلى أن شقيقه صلى الجمعة مع أبناء البلدة على جبل صبيح، وعاد إلى منزله وكأنه أراد أن يودع أقرباءه وأهل بيته، وبعد العصر توجه مجددا إلى الجبل لإسناد الشبان.
وأضاف أن شقيقه كان يستشعر اقتراب أجله، فعانق ابن شقيقه وودعه وأوصاه بإيصال سلامه لأبيه.
والشهيد حمايل هو من مواليد الأردن، وتلقى تعليمه المدرسي والجامعي فيها، حتى تخرّج بدرجة البكالوريوس في تخصص اللغة العربية وآدابها من الجامعة الهاشمية بالزرقاء.
ورغم بُعده عن وطنه طيلة تلك السنوات، إلا أن ذلك لم يقلل من حبه في قلبه، وهو الذي تفتحت عيونه فرأى أبناء شعبه يعانون تحت ظلم الاحتلال.
وكان يزور الضفة الغربية وبلدته بيتا باستمرار، فيرى ظلم الاحتلال وعربدة المستوطنين الذين يسرقون الأرض ويعتدون على الحجر والشجر والبشر، وكل ذلك زرع في قلبه رفض الاحتلال.
وقبل ثلاثة أعوام، عاد حمايل إلى ليستقر في بلدة بيتا، حيث تعيش عائلته.
ورغم قصر المدة التي عاشها في فلسطين، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يكون مبادرا في مواجهة الاحتلال، فقد اعتقل بعد عودته إلى الضفة، أثناء محاولته تنفيذ عملية طعن في بلدة حوارة، وحكم عليه بالسجن لمدة عامين.
خرج حمايل من سجون الاحتلال في العام 2020، والتحق بعدها بمهنة التعليم مدرسا للغة العربية في بلدة بيرنبالا بالقدس المحتلة.
وهذا هو الشهيد الثاني في معركة الدفاع عن جبل صبيح الذي تهدده أطماع قديمة متجددة للمستوطنين بالاستيلاء عليه وتحويله إلى مستوطنة، فقبل أسبوعين استشهد ابن بلدته عيسى برهم خلال مواجهات عنيفة شهدها الجبل.
وتعود أطماع المستوطنين بإقامة بؤرة استيطانية تحمل اسم "أبيتار" في جبل صبيح إلى ما يزيد عن ثماني سنوات، وشهدت السنوات الماضية محطات عديدة من المواجهة مع المستوطنين والاحتلال، من تفكيكها عدة مرات.
واستغل المستوطنون عملية إطلاق النار عند حاجز زعترة الشهر الماضي والتي قتل فيها مستوطن وأصيب آخران، فعاودوا محاولاتهم وبنوا بيوتا ثابتة على الجبل كمقدمة لتحويلها إلى مستوطنة.
اختتم المعلم حمايل العام الدراسي قبل زملائه المعلمين، وكان درسه الأخير درساً عمليا أبلغ من كل الدروس، وقبل أن يجري لطلابه اختبار نهاية العام، نجح هو في اختبار الشهادة.
