"ماما.. هاتيلي شوربة"، هذا كان آخر ما طلبته الطفلة سارة المتربيعي (4 أعوام)، سكان الصبرة بمدينة غزة من والدتها، فللبت على الفور طلبها، ووضعت الحساء في إناءٍ صغير، وأجلست ابنتها في غرفة النوم لتناول ما طلبت.
ما هي سوى لحظات، وإذ بصاروخٍ إسرائيلي يضرب الغرفة دون سابق إنذار، ويصيبها ويحطم إنائها، ويتساقط كل ما بالغرفة عليها، وتصاب بشظايا هذا الصاروخ في مختلف أنحاء جسدها.
تلك الحادثة وقعت قرابة الساعة التاسعة من مساء الجمعة، الرابع عشر من مايو الجاري، خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة؛ بعد أن تعرضت شقة سكنية أعلى شقته في العمارة التي تقطنها للقصف، واخترق الصاروخ السقف لينزل لغرفة نومهم؛ كما يقول زاهر المتربيعي (35 عامًا)، والد الطفلة "سارة".
أخرج الأب مرتجفًا يصرخ من هول المشهد طفلته من تحت أنقاض الغرفة وأثاثها المدمر بالكامل، واتجه إلى خارج الشقة ومن ثم صوب سيارة إسعاف وصلت المكان، لتنقل على الفور مع والدتها التي أصيبت بشظايا سطحية، إلى المستشفى.
داخل مركبة الإسعاف حاول الأب مرارًا التحدث مع ابنته وهو يبكي "اصحي يا سارة.. ردي يا بابا.. ردي.. وهكذا..دون أن تجيب"؛ كذلك والدتها هي الأخرى تصرخ وتبكي، متناسية الجراح التي أصيبت بها في الكتف، وعندما وصولها قسم الاستقبال، أدخلت على الفور للعناية المكثفة لخطورة حالتها؛ بعد أن تبين أنها أصيبت في الظهر وكافة الفقرات، وكسر في الجمجمة وجراح في القدمين واليدين والصدر.
يقول الأب وهو يجلس بجوار ابنته، على سريرٍ في مجمع الشفاء الطبي، لمراسل "صفا": "مكثت خمسة أيام في غرفة العناية المكثفة، وخرجت بعد أن تحسنت بعض الشيء، إلا أنها لا تستطيع تحريك قدميها لعدم تمكن الأطباء من انتزاع الشظايا التي تتواجد في أماكن حساسة ئتشكل خطر عليها، فقط حركت يديها وتعرفت علينا".
ويضيف المتربيعي بعدما توقف قليلاً عن الحديث باكيًا، "أصعب إصابة لطفلتي هي الظهر، لوجود جرح كبير وشظايا في العمود الفقري، ما يجعلها طريحة الفراش، لا تستطيع الحركة بالمطلق؛ أخشى ألا تعود للسير على قدميها".
ويتابع "أملي بالله أن تعود صغيرتي للحياة، أجلس معها ولا أفارقها منذ الإصابة في المستشفى، وكلي أمل أن تتعافى، أو تجد علاجًا لها في أسرع وقت ممكن قبل أن قوات الأوان؛ حتى لا يحدث أي مضاعفات؛ كل همي أن تعود للسير على قدميها".
على سرير للمستشفى تستلقي "سارة" لا تعلم ما الذي حل بها، فقط كل تستطيع فعله هو التبُسم لكل من يأتي لزيارتها أو لقائها، ولدُميتها الصغيرة التي استقلت بجوارها، مع أملٌ يشعُ من عيناها البراقتين نحو نافذة الغرفة، وكأنهما اشتاقتا لرؤية الشمس واللعب في دفئها مع صديقاتها مُجددًا.
ويتابع والد سارة "حسبنا الله ونعم الوكيل، ما ذنب المدنيين والأطفال، نحن كنا آمنين في منزلنا دون سابق إنذار تم قصفنا؛ لن نعمل أي خطر شكلته الطفلة أو النساء والأطفال الذين يسكنون البناية التي نسكنها".
ويُعبر "المتربيعي" عن أمله في تعافي أبنته، وتعود للسير على قدميها، فهذا أكبر همه؛ فيما لم يستطع أن يُخفي خوفه عليها، وأن تصاب بشلل من جراء تلك الشظايا القاتلة؛ متمنيًا الإسراع في علاجها في الداخل أو الخارج.
