دخلت السلطة الفلسطينية بمجرد وقف إطلاق النار على خط ملف إعادة إعمار قطاع غزة قبل أن يبدأ ضخ الأموال، في وقت التزمت فيه الصمت شبه الكامل على مدار 11 يومًا من العدوان، وهو موقف "استغلالي لموقعها كجهة تمثيلية لدى المجتمع الدولي عن الفلسطينيين"، وفق ما يرى مختصون بالشأن السياسي.
ولاقى موقف السلطة تجاه المجازر والدمار الذي ارتكبته "إسرائيل" في القطاع غضبًا شعبيًا واسعًا في الداخل والشتات، بل إن الكثير من المراقبين طالبوها "بعدم الخروج بعد إعلان النصر والظهور كممثل للشعب الفلسطيني على أكتاف ودماء أبناء غزة".
لكن هذا الغضب الشعبي على السلطة لم يمنعها من استباق الأحداث والخروج للتلويح بأنها الجهة الرسمية التي يجب أن يتم من خلالها إدخال الأموال لقطاع غزة لإعادة إعماره، وهو ما زاد من الغضب الشعبي تجاهها.
والتقت قيادة السلطة في اليوم الثاني من إعلان وقف إطلاق النار مع وفد أمني مصري كان وصل غزة للبدء بمباحثات بنود وقف إطلاق النار وملف إعادة الإعمار.
تجارب السلطة وموقف المانحين
ويقول المحلل السياسي مصطفى إبراهيم لوكالة "صفا": "إن المشكلة في ملف الإعمار هو موقف المجتمع الدولي الذي يعتبر السلطة الجهة التي يجب أن تشرف عليه، وهذا ما حدث في مؤتمرات الإعمار عام 2008 و2012 و2014".
ويضيف "وللأسف السلطة لم تقم بالدور المطلوب منها في ملف الإعمار سابقًا وما زال هناك ملفات عالقة وقضايا تسبب مأساة للفلسطينيين بغزة بسبب موقفها الرافض لتقديم الدعم لغزة وعدم وجود أي خطط لديها في إعادة الإعمار".
ويوضح أن "السلطة تستغل موقعها الدولي كممثلة للإشراف على إعادة الإعمار وتسلم أمواله، وهي لا تكترث بموقفها من العدوان، بل إنه لا يعتبر مشكلة بالنسبة لديها أو سببًا يجعلها تتراجع وسط الرفض والغضب الشعبي تجاهه".
ويقول: "المشكلة الأكبر في رؤيتها أيضًا وتعاملها مع هذا الملف، الذي يخلو من أي إشراك لمؤسسات المجتمع المدني والجهات السياسية القائمة بغزة والتي هي جزء من الحالة وتعلم حقيقة الوضع في القطاع وحجم الدمار والمطلوب".
ويشدد إبراهيم على أنه يجب على السلطة أن تقدم خطتها للإعمار للجهات المسؤولة في غزة، وألا يتم السماح بأن تستفرد هي بهذه النقطة رغم موقف المجتمع الدولي.
ورغم موقف المجتمع الدولي وظهور السلطة كأنها الممثل الوحيد للفلسطينيين لديه، إلا أن بعض المانحين في ملف الإعمار لديهم عدم ثقة تجاهها، وهو ما ظهر في توجهها في ملف الإعمار السابق لإدخال الأموال وتنفيذ مشاريعها عبر مؤسسات دولية، وسط رقابة عليها من الأمم المتحدة واليونسيف وغيرها، وفق إبراهيم.
وينتقد موقف السلطة أصلًا من غزة، والذي ظهر بعدم تقديمها أي مساعدة خلال العدوان، قائلًا: "للأسف موقف السلطة ليس الذي يجب أن يكون، فقد كان عليها أن تقدم مساعدات فورية لغزة وحل الأزمات السابقة التي سببتها لها".
ويشير إلى ملفات لم تنجزها وكانت السلطة سببًا في إعاقتها منها ملف شهداء عدوان عام 2014 الذين لم تعترف بهم حتى اليوم، وكذلك ملفات إنسانية واقتصادية للفلسطينيين ما زالت عالقة بسبب رفض السلطة تنفيذها "ليس لشيء إلا لأنها بغزة".
محاولة السيطرة والبدائل
من جانبه، يرى المحلل السياسي حسن عبدو أن خروج السلطة بعد وقف إطلاق النار عقب صمتها ومن أجل أموال الإعمار "خروج غير لائق بممثل رسمي لشعب بأكمله، وهو مستهجن ولا مبرر له".
ويقول في حديث لوكالة "صفا": "السلطة بدت للجميع بظهورها وكأنها تريد السيطرة على الموارد المالية التي ستأتي لإعادة إعمار غزة، رغم يقينها بعدم وجود ثقة فيها من المانحين".
ويلتقي حديث عبدو مع إبراهيم في الجزم بأن عددًا كبيرًا من المؤسسات الدولية المانحة تريد إدخال أموال الإعمار بطريقة بديلة بسبب عدم الثقة في السلطة.
لكن عبدو يشير إلى أن هناك تجارب سابقة يمكن أن يُستفاد منها في ملف إعمار غزة دون أن تسيطر السلطة على الأموال، ومنها التجربة القطرية في تنفيذ مشاريعها بغزة، بالإضافة لأهمية تشكيل مجالس لإعمار غزة تشمل شخصيات لها علاقة بالدول الغربية.
ويلفت إلى أنه إذا ما نجحت هذه التجارب يمكن أن يسير ملف الإعمار بالاتجاه الصحيح، خاصة وأن للسلطة تجربة سلبية من تسلم أموال الإعمار عام 2014.
ويضيف "موضوع استغلال الموقع في المجتمع الدولي ورفضه إقامة علاقة مباشرة مع المقاومة بغزة يجب أن يكون له حلول بديلة، حتى يتم إعادة إعمار القطاع على الوجه المطلوب، وألا تتكرر مأساة ملف إعمار الحروب السابقة".
وأمام هذا التناقض في موقف السلطة، يخرج المحلل مصطفى برؤية يختصرها بالقول "الحل يكمن في وجوب وجود ضغط من الفصائل ومؤسسات المجتمع المدني وحركة حماس التي هي شريكة في الإعمار، على السلطة الفلسطينية لكي تضمن خطة الإعمار كل مخططات ورؤى هذه المؤسسات والجهات القائمة بغزة وأن يتم تنفيذها فعليًا.
واستشهد في العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع 248 شهيدًا، في وقت تستمر عمليات البحث عن جثامين تحت الأنقاض بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار منذ فجر الجمعة الماضي.
ومن بين الشهداء 66 طفلًا و39 سيدة و17 مسنًا فيما بلغ عدد الإصابات نحو 1948.
