تسعى حكومة الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من 61 عاماً إلى تفريغ مدينة يافا الساحلية الواقعة في مركز الأراضي المحتلة عام 1948 من سكانها العرب أصحاب المدينة الأصليين.
ويبلغ عدد أهالي المدينة الذين بقوا في أرضهم بعد تهجير المئات من اللاجئين الفلسطينيين عام 1948 نحو 22 ألف نسمة يعانون من تضييق مستمر بهدف إلى طردهم.
وبدأت سلطات الاحتلال بحملة هي أشبه بالحمى لتهويد "يافا" وتشريد أهلها قبل عدة سنوات عن طريق سياسة هدم المئات من بيوت المواطنين العرب ومنع المئات منهم من ترميم بيوتهم القديمة بحجة أنها منطقة أثرية قديمة.
وبالإضافة إلى ذلك، تسعى حكومة الاحتلال إلى تهويد الشوارع والأحياء العربية عدا عن مشروع تهويد السكان أنفسهم، وذلك بتغيير أسماء الشوارع العربية وإقامة أحياء لليهود المتدينين في المدينة العريقة، وذلك تنفيذاً لقرار مثير للجدل لحكومة اليمين الإسرائيلي.
انتزاع الحقوق
وكافح أهالي المدينة المحتلة في السنوات الأخيرة بغية ترشيح أعضاء لمجلس بلدية "يافا- تل أبيب" من الفلسطينيين العرب الذين يشكلون ما نسبته 5% من سكانها، حيث نجحوا بانتخاب عضوين للمجلس وهما عمر السكسك وأحمد المشهراوي.
وقال عضو البلدية أحمد المشهراوي في حديث خاص لوكالة "صفا": "على مدى عشرات السنين كان هناك إهمال متعمد من قبل بلدية تل أبيب في إعطاء أهالي يافا حقهم من ميزانيات البلدية، وهذا الأمر بدأت تظهر نتائجه الآن على الأهالي".
وأضاف المشهراوي: "بحكم عضويتنا في البلدية فإن لدينا عدة صلاحيات هامة، وانتزعنا العديد من حقوق أهالي يافا العرب وخاصة مخصصاتهم من الميزانية".
وأشار إلى أن البطالة بدأت تتفشى بشكل كبير في صفوف الشباب والشابات من المواطنين العرب الذين لا يجدون أماكن للعمل وخاصة الفتيات المحجبات اللواتي.
وأوضح أن الاحتلال يواصل رفع أسعار البيوت والممتلكات في يافا، حيث يبلغ سعر البيت الصغير نسبياً نحو تسعة ملايين شيكل، وبما أن البطالة بدأت تنتشر في صفوف الأبناء يفضل الآباء بيع بيوتهم الصغيرة بمبالغ مالية ضخمة بغية تزويج أبنائهم".
حملة تهويد
وقال المشهراوي : " نحن وجهاء المدينة نحاول الوقوف في وجه محاولة إخلاء يافا من العرب، ولكن المواطن العربي لا يستطيع الصمود أكثر من ذلك في وجه التضييق المستمر والبطالة، فيبيع بيته بمبالغ خيالية ويضطر لشراء آخر في مدينة عربية أخرى".
وأضاف: "من جانب آخر، بدأت المؤسسة الإسرائيلية منذ سنوات عديدة عملية تهويد الشوارع واللافتات أيضاً، حيث أن لافتات الشوارع والأحياء العربية في يافا الآن سميت بأسماء حاخامات يهود".
وكانت مؤسسة "أراضي إسرائيل" الحكومية عرضت قطعة أرض ضخمة للبيع بالقرب من أحياء عربية في مدينة يافا، حيث نجح متدينون يهود بشراء قطعة الأرض وبدأوا يعلنون جهراً أنهم سيواصلون مسيرتهم حتى خروج آخر عربي من المدينة.
وطالب المشهراوي بصفته عضوا في بلدية يافا- تل أبيب بأن يتم إعادة أسماء الأحياء العربية إلى اللافتات في الأحياء العربية في يافا، قائلاً: "إنه لا يعقل أن تسمى الأحياء العربية البحتة بأسماء يهودية"، مؤكداً أن ذلك لا يمكن أن ينال من عروبة المدينة.
وشدد على أهمية توحد أبناء المدينة في مواجهة الهجمة الإسرائيلية بقوله: "في هذه الفترة العصيبة لم يبق أمام أهالي يافا غير أن يكونوا صفاً واحداً، حيث إن وحدة الصف هي أفضل سلاح للمحافظة على حقوقنا".
يافا تاريخياً
من جهته، قال الباحث الفلسطيني مصطفى كبها:" كانت يافا تاريخياً وقبل النكبة عام 1948 من أهم المراكز الثقافية والحضارية في فلسطين، خاصة أنها كانت مركزاً لتسويق الحمضيات التي اعتمد عليها الاقتصاد الفلسطيني".
وسقطت مدينة يافا في أيدي الاحتلال الإسرائيلي في تاريخ 12/5/1948 حيث تم تهجير معظم سكانها الذين وصل عددهم في حينه إلى 94 ألف نسمة.
وأضاف كبها: "مدينة يافا تعتبر بمثابة هوية للشعب الفلسطيني، وهي المدينة الوحيدة التي دمجها الاحتلال مع بلدية مدينة تل أبيب اليهودية بغية كسر شوكة المدينة التي كانت تعتبر رمزاً لتطور المجتمع الفلسطيني، والآن تعتبر يافا كأحد أحياء تل أبيب".
وبدأت المجموعات اليهودية مشروعها الاستعماري في محيط "يافا" في تسعينيات القرن التاسع عشر، حيث أقامت تلك المجموعات الاستعمارية المهاجرة مدرسة زراعية قبل النكبة في الأطراف الجنوبية للمدينة.
وتابع كبها: "بعد نكبة الشعب الفلسطيني تم تهجير معظم أهالي يافا وتمت مصادرة معظم كنوزها الثقافية كالمكتبات والتضييق على من تبقى من السكان، حيث تم تجميعهم في حي واحد هو حي العجمي، وتم تغيير أسماء الشوارع والميادين إلى اللغة العبرية".
وكعادته، غيّر الاحتلال اللافتات في يافا تغييراً جذرياً، فمثلاً سمي شارع الحلوة في يافا بشارع "يفيت" وشارعي النزهة وجمال باشا تم تحويل أسمائهما إلى شارع "يروشلايم" وبعض الشوارع أيضا تم انتزاع أسمائها العربية وبدلت بالأرقام فقط.
بقاء وصمود
ولم تسلم مساجد المدينة من بطش المحتلين، فقد أغلق بعضها فيما تم تحويل البعض الآخر إلى مرافق سياحية، وذلك من خلال السيطرة على لجان "أمناء الوقف في إسرائيل" ومن ثم تمت السيطرة على الوقف الإسلامي وبناء المرافق السياحية عليه.
وأشار الباحث كبها إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي بنت منطقة سياحية ضخمة على أنقاض مقبرة عبد النبي في المدينة.
وقال: "يافا تعرضت إلى تضييق متواصل أدى إلى هجرات متتالية، ولكن من أهم الأسباب وراء بقاء أهالي المدينة هو هجرة العشرات من أبناء المدن والقرى العربية في الداخل الفلسطيني إليها، وهذه الهجرات المعاكسة سبب أساسي في مسيرة الصمود".
وأكد أن "مدينة يافا ما زالت تعاني من الضائقة الاقتصادية والاجتماعية حتى اليوم، وساهم ابتعاد أهالي المدينة نسبياً عن المجتمع العربي إلى حد كبير بدخول اللغة العبرية إلى لغتهم وحديثهم".
وأضاف: "خلال العقود الثلاثة الأخيرة نشأت العديد من الجمعيات التي عملت على المحافظة على اللغة العربية في المدينة، وهناك العديد من الفعاليات التي تنفذها جمعيات مختلفة من أجل تعزيز بقاء وصمود أهالي المدينة في وجه الحملات المحمومة من قبل المتطرفين اليهود".
