أمام منزل قديم ومتهالك تجلس سيدة ثمانينية تبيع الحلوى للأطفال في ممر يكاد يخلو من المارة تجاهد فيه أشعة الشمس صباحا للعبور عبر أزقة مخيم الشاطئ غرب غزة.
ويحفر الفقر والملح المتبقي من تسرب مياه أحد خزانات المياه عميقًا بمخالبه ليشق طريقه عبر جدران هذا المنزل المتواضع الذي تسكنه ثلاث عائلات في مساحة لا تزيد عن (90مترًا).
تحاول أم محمود توفير بعض الشواكل لتسد رمقها ورمق ثلاث أسر، توالت على معيل أحدها نوائب أحالت حياته وحياة أسرته إلى مسلسل من المعاناة.
حكاية صلاح
الحاجة الثمانينية تقول بكلمات لا تخلُ من الدموع حكاية ابنها الأصغر صلاح أبو عيسى (38عامًا)، وتحدثنا عن شبابه وأناقته وعن عطره الخاص واعتداده بنفسه، وبراعته في مهنة "الميكانيكا" وتصليح السيارات الحديثة، واعتماده على نفسه.
وتضيف أم محمود لـوكالة "صفا": "صلاح كان يحب يلبس ويتشيّك، زوّج نفسه من تعبه وكون عائلة واستأجر بيتا في المخيم، ورزقه الله حَلا وتُقى".
انقلبت حياة صلاح مع بداية حرب 2014 نتيجة أحداث لم تمحَ من الذاكرة.. تتابع الحاجة أم محمود وهي تحاول أن تخفي دمعتها: "قبيل عيد الفطر التي تزامنت مع الحرب، وتحت وطأة القصف قرر صلاح أن يرسل زوجته وابنتيه إلى بيت عائلتها في مخيم البريج".
جاء العيد ثقيلًا على عائلة صلاح.. قصف الاحتلال منزل عائلة زوجته (آل جبر) خلال فترة الهدنة، نجت ابنته حلا واستشهدت تُقى ضمن (19شخصًا) غالبيتهم من النساء والأطفال، ودخلت زوجته في غيبوبة وأرسلت الى أحد مشافي الداخل المحتل نتيجة إصابتها الشديدة.
أصيب صلاح بحالة حزن شديد ومرض، وبدأ يشكو من آلام متكررة في الرأس، وبات يسير بصعوبة على قدميه، فالمصاب جلل، وتم تشخيص حالته بمرض غريب ونادرًا ما يصيب الرجال، إنه "التصلب الدماغي المتعدد".
تردت حالة صلاح الصحية والنفسية رغم تماثل زوجته للشفاء، وساءت أحواله المادية وتراكمت عليه الديون وخسرت الأسرة معيلها الذي أصبح يحتاج لمن يعيله ويساعده على قضاء حاجته.
انتقلت أسرته لتعيش في غرفة صغيرة في منزل العائلة لتبدأ سطور مرحلة جديدة من المعاناة مع المرض والفقر وضيق المكان.
احتلال وحصار
زوجته "نجاح أبو جبر" تُكمل الحديث: "تدهورت حالة صلاح الصحية وأصبح يمشي بصعوبة، ورغم محاولة علاجه في غزة، إلا أن حالته تدهورت نتيجة عدم توفر الدواء".
رفض الاحتلال كل محاولة العائلة لتحويل صلاح للعلاج في مستشفيات الداخل المحتل أو القدس المحتلة متذرعًا بأسباب أمنية وهمية رغم تدخل عديد من المؤسسات الدولية ولجنة الصليب الأحمر.
بعد عديد المطالبات والضغط من المؤسسات الحقوقية، طلبت مخابرات الاحتلال من صلاح القدوم لمعبر بيت حانون لمقابلة الضابط المختص، وتفاجأ صلاح الذي أصبح مقعدًا بعرض هذا الضابط الذي ساومه للعمل مع المخابرات مقابل السماح له بالمرور واستكمال العلاج.
"بدي أموت في غزة"
على كرسيه المتحرك تمالك صلاح ما تبقى له من قوة وإرادة وبصق في وجه رجل المخابرات وشتمه قائلًا له: "رجعني بدي أموت في غزة" تستطرد الزوجة حديثها: "مخابرات الاحتلال لازالت تتصل علينا وتساومنا على السماح بمروره عبر المعبر للبدء في علاجه الذي أصبح متوفرًا بمستشفيات الداخل الفلسطيني المحتل".
ورغم سفر صلاح عام 2017 للعلاج بمشفى مصري بعد طول انتظار إلا أن تأخر الحالة والدواء وصل بالمرض لمراحل متقدمة، وبات مقعدًا يعاني الشلل الرباعي، ويعيش على وقع المسكنات والمهدئات للسيطرة على الحالة صحيًا ونفسيًا في انتظار أن يسمح له الاحتلال بالعلاج في الداخل.
الطبيب الفلسطيني المشرف على الحالة أشرف بركات يؤكد أن حالة صلاح أبو عيسى المرضية رغم ما وصلت إليه من سوء، إلا أنه يمكن علاجها في مستشفيات الداخل المحتل وتحتاج لمتابعة مستمرة، وفق ما نقلت عنه العائلة.
حرمان من مخصصات "الشؤون"
أسرة صلاح تعيش حاليًا بغرفة صغيرة ضمن منزل العائلة المكون من ثلاث غرف مهترئة مضى على بنائها أكثر من (50عامًا)، وتضطر زوجته الى تغسيله ومساعدته لقضاء حاجته على كرسي خاص داخل هذه الغرفة نظرًا لأن مساحة حمام المنزل لا تتعدى "1 متر".
يقول صلاح بصوت يكاد يكون مفهومًا وهو مستلقٍ على سريره: "وزارة التنمية في رام الله حرمتنا من مصدر رزقنا ودخلنا الوحيد -مخصصات الشؤون -750 شيقلًا كل ثلاثة أشهر- منذ أكثر من 16 شهرًا، ولأسباب غير مفهومة".
زوجة صلاح تقول إنها باتت تعتمد على "أهل الخير" لتوفير ثمن الدواء بقيمة 400شيقل شهريًا، بسبب عدم توفره بغزة وتضطر لأن تشتريه عبر القادمين من مصر.
وتتابع: "في غرفة قديمة مساحتها لا تتجاوز 15 مترًا، هنا معيشتنا وأكلنا، وهنا كل شيء، وقدمنا لـ"أونروا" وللشؤون ووعدونا أن يبنوا لنا بيتًا أو شقة خاصة لكن "عالفاضي.. كلام دون تنفيذ".
حال أسرة صلاح لم يختلف كثيرًا عن حال أسرة شقيقه أبو ابراهيم الذي يعاني من مرض مزمن، والذي يعيش في غرفة مجاورة مع 8 أشخاص.
وتطالب عائلة صلاح أبو عيسى المقعد ويعيش مع أسرته حاليًا بغرفة متهالكة على ما تتلقاه الأسرة من مساعدات "أهل الخير" وزارة التنمية وأولي الأمر بإعادة مخصصاتهم وتوفير منزل كريم أو شقة سكنية على غرار ما تقدمه الوزارة لمثل هذه الحالات.
