يقصد المُسن عبد الجواد عبد الغفور (80عامًا) مع بزوغ شمس كل صباح أرضه الزراعية جنوبي محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة للاعتناء بها وحراثتها بمحراثٍ خشبيٍ قديم يضعه على ظهر دابته.
اعتاد على مشواره اليومي منذ مدار عقودٍ مُتعاقبة، دون أن يحول ذلك كبر سنه ولا ظروفه الحياتية؛ فملحُ أرضه وما تُنتجه هو زاده الرئيس ومصدر قوته وبنيته الجسدية.
المسن عبد الغفور عمل في مهنة الفلاحة وورث عن والده تجارة الخضروات والفواكه في السوق ما أكسبه مقتنيات كثيرة، لم يفرط بها رغم أن الصدأ أتى عليها.
يحتفظ المسن الثمانيني بها ويُعلقها داخل مجلس صغير من القماش والصفيح يتوسط أرضه، وهو ملجأ دائم له للراحة، ومقصد أبنائه وجيرانه والأصدقاء.
وفور دخولك لمجلسه، تجد مقتنيات تراثية كثيرة احتفظ بها المُسن من والده وجده، منها: "المناجل، المطارق، الموازين اليدوية، المناشير القديمة، والأزاميل، الدقارين، مهباش القهوة، قمباز يزيد عمره عن 100عام، سلال قش.
ويلفت انتباهك أعقاب رصاص وقذائف حروب، وفوانيس، وبوابير، وسيف، وقطع نحاسية، مقصات أشجار، وماكينة خياطة يدوية، وأدوات زراعة أخرى..".
تلك إذًا كانت جزءٌ من القطع التراثية التي يُزين بها جدران مجلسه؛ فيما توجد قطعٌ أثرية، عثر عليها أثناء حراثة أرضه، التي تقع على تلةٍ في بلدته شرقي خان يونس.
البلدة تعرف بأنه كان بها مبان ومواقع لجيوش وحضارات مرت أو استوطنت فلسطين، كالرومانية والبيزنطية والعثمانية.
نجله حمادة (43عامًا) الذي يعمل في مهنة القصارة امتهن ذات الطريق فجمع قطعًا أخرى، فهو يهوى اقتناء القطع التراثية والأثرية منذ طفولته؛ كما يقول لمراسل "صفا".
من بين تلك القطع كما يوضح حمادة، "تيجان لحجارة رومانية، وصخور لمبان لم يعرف لأي عصر تعود، وقطع فخارية عثمانية ورومانية وغيرها".
ويؤكد أنه يعمل على حفظ التراث الفلسطيني ويؤرشف تاريخ فلسطين من خلالها، رغم قلتها لكنها ذات أهمية كبيرة بالنسبة به.
ويقول لوكالة "صفا": "منذ صغري كنتُ أهوى جمع القطع التراثية والأثرية وأضعها في منزلنا، ولا أجد مكانًا له، حتى كنت لا أعرف أين أخبئها وفقدت العديد منها، لحين بناء مجلس، ليكون مكانا يضم قطعا قليلة، ليحفظها من أي فقدان لكي يراها كل من يزورنا من الأقارب والأصدقاء، الذين عبروا عن سعادتهم بها كثيرًا".
ويتابع: "كثير من الجيران والأصدقاء يحبون رؤية تلك المُقتنيات، ويسأولون عن تاريخها واستخدامها؛ رغم علمي المحدود عنها أشرح لهم، أما القطع التراثية التي جمعها وورث بعضها جدي فيشرح الوالد عنها الذي ورثها واحتفظ بها هو أيضًا، وما زال يتمسك بها، ويعتبرها مهمة ورأس ماله بجانب أرضه التي لم يغادر العمل بها".
أما "عبد الجواد" والد حمادة، الذي قاطع نجله بالقول بلهجته العامية: "إلي ما إله ماضي، ملوش حاضر ولا مستقبل؛ اليوم الجيل لازم يعرف كيف كانت حياة أجداده وأبائه، وشو كانوا يستخدموا في حياتهم، حتى ما ينسوا أو يتخلوا عن أرضهم".
يشير المُسن بيده على ميدان حديدي صدأ "هذا ميزان (قب) قديم ملكية أبي عمره أكثر من 60 عامًا وإطار عربة (يبونكا) التي كانت تستخدم في البناء؛ مضيفًا: "معظم الأغراض (المقتنيات) هنا ملكي أنا وأبي وجدي، من مهنتي التجارة والفلاحة، بجانب قطع أثرية نجدها أثناء حراثة الأرض، تعود معظمها للعهد الروماني، حسب خبرتنا".
يواصل "عبد الجواد" حديثه: "قيمتنا في تراثنا وماضينا، فكلما حافظنا عليها وحافظنا عليها، زادت قيمتنا ومكانتنا، وتبقى شاهدة على حياتنا كيف كنا نعيشها قديمًا، وكيفت كانت؛ فمثلاً كنا نحصد القمح والشعير (بالقالوش) والدقارين والمناجل، اليوم أصبح هناك ماكينات حديثه، ونطحن القمح على (الطاحونة الصخرية) التي توجد عندي حتى الآن".
خلال تبادل أطراف الحديث معه، أشار المسن بيده على قطعة فخارية على أحد الأرفف، قائلاً:"هذه (سعن) كانت تستخدمها والدتي وزوجتي لخض اللبن، وبجوارها ماكينة خياطة يدوية لزوجتي أيضًا، ومكوى؛ مُعبرًا عن فخره بتمسكه في تلك القطع والحفاظ عليها، واعتزازه وفخره بماضيه؛ قائلاً "لكل قطعة حكاية ورواية معنا، ولا يجب التقليل من أهمية أي شيء يذكرنا بماضينا".
في تلك اللحظات نادى مؤذن المسجد القريب أن "حي على الصلاة"، فنهض ليتوضأ على الفور من إبريق بلاستيكي قديم بمعاونة حفيده، ليصل حينها نجله حمادة حاملاً الغداء على رأسه، من زيتون مخلل وزيت ودقة وزعتر وسلطة طماطم بالجرادة؛ قائلاً "الجود من الموجود، هذا خير أرضنا، وأقل واجب للضيف".
