منذ أصدر الرئيس محمود عباس في 15 يناير الجاري مرسومًا رئاسيا بشأن إجراء الانتخابات العامة على ثلاث مراحل، ثارت العديد من التساؤلات حول شكل الانتخابات المرتقبة، وطبيعة مشاركة القوى والفصائل الفلسطينية فيها، بالإضافة إلى حجم المشاركة الشعبية المتوقّعة، في ظل انتظار الجميع لما تسفر عنه نتائج اللقاءات الفلسطينية-الفلسطينية المقرّر عقدها في العاصمة المصرية القاهرة.
وبموجب المرسوم الرئاسي فإنّ الانتخابات التشريعية ستجري بتاريخ 22/5/2021، والرئاسية بتاريخ 31/7/2021، على أن تعتبر نتائج انتخابات المجلس التشريعي المرحلة الأولى في تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني.
ويجمع العديد من القادة والمراقبين والمحللين على ضرورة توفّر ضمانات عدّة سياسية وإجرائية من أجل إنجاح الانتخابات، من بينها ضمان إجرائها في القدس المحتلّة، وضمان سلامة المرشحين بالقدس والضفة، بالإضافة إلى ضرورة التوافق حول محكمة عليا للانتخابات تكون لها كلمة الفصل في النتائج والطعون.
الإرادة السياسية وحضور القدس
القيادي في حركة فتح حاتم عبد القادر رأى أنّ من أهم عوامل نجاح هذه الانتخابات توفر الإرادة السياسية الحقيقية نحو ترسيخ النهج الديمقراطي، بحيث لا يكون إجراؤها "من أجل الهروب إلى الأمام نتيجة الضغوط الدولية".
وأكد القيادي عبد القادر، في حديثه لوكالة "صفا" الأربعاء، على ضرورة أن يستبق العملية الانتخابية الاتفاق على رؤية سياسية خلال الاجتماع المزمع عقده في القاهرة بين القوى والفصائل الفلسطينية كافة، وبلورة استراتيجية تحدد الهدف من الانتخابات؛ لتصويب الوضع الفلسطيني داخليًا وخارجيًا.
وأشار إلى أنّه بات من المطلوب إعادة النظر في كل المراسيم الرئاسية المتعلقة بالقضاء؛ كونها تشكّل إجحافا بالعملية الانتخابية "ولا ضرورة لها قبيل الانتخابات"، متسائلًا عن مبررات استباق انتخاب مجلس تشريعي بتغيير قوانين مصيرية وأساسية تتعلق بالقضاء.
ورأى أنّ هذه القوانين "تعزّز من التفرد في القرار، وتهميش وإضعاف المجلس القادم قبل ولادته بحيث يصبح بين طرفي مقصلة السلطة التنفيذية والقضائية المعيّنة من أعلى السلطة التنفيذية، وبالتالي يفقد المجلس المنتخب دوروه في المراقبة والمحاسبة والتشريع".
وعلى المستوى الشعبي، شدّد القيادي في "فتح" على ضرورة أن تبقى القدس المحتلة حاضرة كركن أساسٍ في العملية الانتخابية، ولا يجوز تقديم أي تنازل فيما يتعلق بمشاركة أهلها اقتراعًا وترشيحًا، مشيرًا إلى ضرورة أخذ ضمانات من قبل سلطات الاحتلال للسماح بحرية التحرك للمقدسين، والدعاية الانتخابية والمقرات داخل المدينة المقدسة، شأنهم في ذلك شأن باقي المناطق الفلسطينية الأخرى.
كما شدّدً القيادي عبد القادر على ضرورة مشاركة الفلسطينيين جميعًا في الانتخابات، وأن يحسنوا الاختيار والتغيير والتصويب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، محذرا من "إعادة انتاج الحالة السابقة".
الضمانات وغياب التصور
واتفق الكاتب والمحلل السياسي راسم عبيدات مع ما طالب به القيادي بحركة "فتح" من ضرورة الاتفاق خلال اجتماع القاهرة المقرر مطلع فبراير القادم على رؤية وبرنامج سياسي مشترك للمرحلة القادمة، بالإضافة إلى التوافق على إزالة المعيقات والخلافات مثل "محكمة الانتخابات ومجلس القضاء الأعلى"؛ بما يزيل الشكوك بأن هناك طرفا يستعين ويوظف القضاء ضد الأطراف الأخرى.
وشدد عبيدات، في حديثه لوكالة "صفا"، على ضرورة أن يتضمن لقاء القاهرة القادم تشكيل حكومة وطنية، تعمل على التمهيد والاشراف، وتوحيد المؤسسات الإدارية والحكومية المنقسمة بين قطاع غزة والضفة الغربية المحتلّة.
وأشار إلى أن غياب التصور الحكومي والفصائلي ولجنة الانتخابات المركزية لشكل الانتخاب داخل القدس المحتلة من الممكن أن يشكل عائقًا أساسيًا أمام نجاح هذه الانتخابات "في ظل تعنّت سلطات الاحتلال وإصرارها على إفشال هذه العملية الديمقراطية التي طال انتظارها".
وأبدى تخوّفه من "غياب الضمانات للمرشحين المقدسيين وداخل الضفة الغربية المحتلة كما حدث خلال الانتخابات السابقة عام 2006، كاعتقال قوات الاحتلال للمرشحين المؤثرين من بعض الفصائل "حركة حماس والجبهة الشعبية"، وإبعادهم؛ سعيا للتأثير على نتائج هذه الانتخابات".
وتساءل الكاتب والمحلل السياسي عن الضمانات الدولية والإسرائيلية بالتعامل مع حكومة ومجالس تضم ممثلين لفصائل تصنفها هذه الجهات كـ"فصائل وقوى الإرهاب"، مشيرًا لضرورة بحث كل هذه التفاصيل مسبقًا.
واستغرب نصّ المرسوم الرئاسي بعدم السماح بمشاركة فلسطيني الخارج في انتخاب المجلس التشريعي ضمن سلطة حكم ذاتي، بينما سيسمح لهم بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية ضمن انتخابات "دولة فلسطين "، معتبرًا ذلك "تناقضا واضحًا".
ورأى أنّ من أهم عوامل إنجاح هذه الانتخابات إقناع المواطن الفلسطيني، وحثّه على ضرورة التسجيل بكثافة للعملية الانتخابية ممن تنطبق عليه الشروط من خلال برامج عملية واقعية في جميع الجوانب، "فمن يريد التغيير وعدم إنتاج النظام السياسي السابق خاصة من فئة الشباب عليه أن يتجند ويضع بصمته الانتخابية".
التوافق على برنامج سياسي
من جهته، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي ذو الفقار سويرجو لوكالة "صفا" أنّ غياب العملية الديمقراطية لأكثر من عقد من الزمن قد يشكل حافزا خاصة لفئة الشباب نحو الإقبال لاختيار ممثليهم.
وأضاف سويرجو "نحتاج لاتفاق أدبي بين الفصائل نحو الذهاب للانتخابات، والعمل على إنجاحها، وإزالة كل المعيقات من أمامها على أساس اتفاق احترام نتائجها عمليا".
وتابع "يجب أن نتوافق على برنامج سياسي؛ حتى لا تتفجر نتائج هذه الانتخابات وتزيدنا انقسامًا، نتيجة الاختلال على الوجهة السياسية التي سيتبعها النظام السياسي الفلسطيني مع الخارج"، داعيًا إلى الضغط باتجاه تشكيل "محكمة انتخابات توافقية يوافق الجميع على تركيبتها ولا يطعن بشرعيتها أحد. بعد ذلك ممكن أن نصل لبرّ الأمان، ونشكّل حكومة الوحدة الوطنية لتدير العملية؛ لحين خروج نتائج البرنامج الانتخابي بمراحله الثلاث".
وفيما يتعلق بالقضايا العالقة، مثل قضية موظفي غزة والضفة توقع سويرجو أن يكون حل مثل هذه القضايا "أوتوماتيكيًا وسريعًا"، كجزء من الحملة الانتخابية لهذا الطرف أو ذاك؛ كنوع من الدعاية وجلب مزيد من الأصوات.
