في الرابع من كانون الثاني/ يناير الجاري، كان الفتى المقدسي عبد الرحمن البشيتي على موعد مع اعتقال آخر، عندما داهمت قوات إسرائيلية مدججة بالسلاح وبرفقة كلاب بوليسية، ليلًا، منزله في حي باب المجلس بالبلدة القديمة في القدس المحتلة.
لم يكن هذا الاعتقال الأول للفتى عبد الرحمن (16 عامًا)، بل اُعتقل 21 مرة، وصدرت بحقه عدة قرارات إبعاد وحبس منزلي ودفع غرامات مالية، حتى بات اليوم يُقاسي مرارة العزل الانفرادي، وآلام المرض المزمن، وسط مخاوف كبيرة على حالته الصحية.
والدته بنار البشيتي تروى لوكالة "صفا" تفاصيل اعتقاله، قائلة: "كان ابني وشقيقه مجتمعين مع اثنين من رفاقه على سطح المنزل يتناولون طعام العشاء، فتفاجأوا بعناصر من قوات الاحتلال فوق رؤوسهم، سرعان ما وضعت القيود والأصفاد في أيديهم، وأجبرتهم على الركوع".
وتضيف أن "قوة إسرائيلية أخرى برفقة الكلاب داهمت المنزل المطل على المسجد الأقصى المبارك من الباب، وأرعبت من فيه، ومن ثم اعتقلت عبد الرحمن ورفاقه، وهم مقيدين الأيدي، وصادرت الأجهزة الإلكترونية الخاصة بهم، ولم تراع معاناته المستمرة من مرض السكري".
صدمة كبيرة
شكل اقتحام الاحتلال صدمة كبيرة للفتى عبد الرحمن، ما أدى لارتفاع منسوب السكر في الدم عنده، تكمل والدته: طلب مني كأسًا من المياه، سارعت للاتصال في الإسعاف لأجل نقله إلى المستشفى بسبب وضعه الصحي وحاجته للعلاج الفوري، إلا أن قوات الاحتلال منعت إسعافه.
لم يشفع مرضه المزمن وتدهور حالته الصحية له، إذ حولته سلطات الاحتلال إلى الزنازين في معتقل "المسكوبية" غربي القدس، وأثناء التحقيق معه داخل زنزانة انفرادية وصل منسوب السكر إلى 650، فتم نقله إلى مستشفى "هداسا" لعدة ساعات، لأجل تلقي العلاج.
تتابع والدته حديثها بحسرة وألم "اتصلوا بي من المستشفى، فذهبت لرؤية عبد الرحمن، فوجدته في حالة صحية سيئة وحالة إعياء شديدة، وهو مقيد اليدين والقدمين على السرير وسط حراسة أمنية مشددة، هنا ساورني الخوف والقلق على صحته، وإمكانية دخوله في غيبوبة".
وفي اليوم الثاني، حولت سلطات الاحتلال عبد الرحمن مجددًا للتحقيق في زنازين "المسكوبية"، دون مراعاة لمرضه وحالته الصحية.
15 ساعة متواصلة قضاها عبد الرحمن في التحقيق، فور نقله للمعتقل، رغم علامات الإعياء والتعب التي بدت واضحة على كافة أنحاء جسده.
تعذيب وتنكيل
ويتعرض البشيتي منذ 16 يومًا، إلى تحقيق مطول، وعمليات تنكيل وتعذيب وشبح داخل زنزانة انفرادية، وحرمان من الزيارة والنوم والدواء، بدعوى إلقاء مفرقعات نارية على قوات الاحتلال خلال أحداث شهدتها البلدة القديمة في 24 ديسمبر الماضي، كما توضح والداته.
لكن والدته نفت ادعاءات الاحتلال هذه، قائلة: إن" كاميرات المراقبة أظهرت أن ابنها لم يشارك بأي مواجهات أو أحداث بالمنطقة"، لافتة إلى أن سلطات لاحتلال ترفض الإفراج عنه رغم خطورة صحته.
وعقدت محكمة الاحتلال 10 جلسات محاكمة لعبد الرحمن منذ اعتقاله، جميعها سرية، إلا جلسة واحدة تمكنت والدته من حضورها، "بدا فيها وجهه منتفخًا وعينه اليسرى، شديد التعب والإرهاق، حينما شاهدته لم أتمكن من معرفته.. قلت للقاضية هذا ليس ابني".
وبتاريخ 13 يناير الجاري، قررت محكمة الاحتلال الإفراج عن عبد الرحمن بشرط الحبس المنزلي والإبعاد عن مكان سكنه في البلدة القديمة، إلا أن المخابرات استأنفت على القرار وطالبت بتمديد اعتقاله، باعتباره أنه يشكل "خطرًا على أمن الاحتلال".
وتناشد والدته كافة الجهات المعنية والمؤسسات الحقوقية والدولية بالتدخل العاجل لإنقاذ حياة ابنها، والإفراج الفوري عنه، لتلقي العلاج اللازم.
ولإنقاذ عبد الرحمن، أطلقت عائلته ونشطاء حملة باللغتين العربية والانجليزية على مواقع التواصل الاجتماعي، للتضامن معه، والضغط على هيئات حقوق الإنسان المحلية والدولية بالتدخل العاجل والضغط على حكومة الاحتلال للإفراج العاجل عنه.
تقصير واضح
رئيس لجنة أهالي الأسرى والمعتقلين أمجد أبو عصب يقول لوكالة "صفا" إن سلطات الاحتلال تستهدف الجيل الفلسطيني الناشئ، وتحديدًا في البلدة القديمة، حيث يعيش الفتى عبد الرحمن في منزل يطل على المسجد الأقصى، الذي يعد محل أطماع الاحتلال.
ويوضح أن الاحتلال يستهدف عائلة البشيتي منذ سنوات، من خلال اعتقال أبنائها وملاحقتهم وإبعادهم أيضًا، وتعرض منزلها للاقتحامات المستمرة، ولا يزال يعتقل ابنها هشام (20 عامًا) في سجن "مجدو" دون محاكمة حتى الآن.
ويحتاج الفتى عبد الرحمن إلى متابعة طبية دائمة، وأخذ كميات كبيرة من إبر "الأنسولين"، للاطمئنان على نسبة السكر لديه، لكن الاحتلال يحرمه من الدواء والعلاج، وحتى عرضه على طبيب مختص لأجل الضغط على عائلته بهدف ترك المنزل والرحيل. وفق أبو عصب.
ويعتبر أن الاحتلال بذلك، ينتهك القانون الدولي الإنساني والإسرائيلي في تعامله مع الأطفال الفلسطينيين، واختطافهم من بين أحضان أمهاتهم.
وعن دور المؤسسات المختصة حيال اعتقال الأطفال، يقول أبو عصب: "هناك تقصير كبير وتواطؤ من قبل المؤسسات الحقوقية والمعنية بشؤون الأسرى والأطفال، خاصة الصليب الأحمر الدولي ومنظمة اليونيسيف في القيام بدورها وتحمل مسؤوليتها تجاه ما يجري بحق الأطفال ووقف اعتداءات الاحتلال بحقهم داخل السجون".
