أصبح المغرب الدولة العربية الرابعة التي تنضم إلى قطار التطبيع مع "إسرائيل"، بعد الإمارات والبحرين والسودان، في خطوة أثارت مفاجآت بالنظر إلى الحضور المغربي في القضية الفلسطينية، وتحديدًا في مدينة القدس.
وفي معرض إعلانه عن الاتفاق الذي وصفه بأنه "اختراق تاريخي جديد للسلام في الشرق الأوسط"، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على إقليم الصحراء، المتنازع عليه مع جبهة البوليساريو منذ عقود.
وهذه المرة الأولى التي تعترف فيها دولة غربية بأحقية المغرب في إقليم الصحراء المتنازع عليه مع جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر.
وإلى جانب مصر والأردن، أصبح المغرب سادس دولة عضو في جامعة الدول العربية يقوم بتطبيع العلاقات مع "إسرائيل".
ويشمل الاتفاق إعادة فتح مكاتب الاتصال في "تل أبيب" والرباط، والتي أغلقت في عام 2000؛ إثر تراجع العلاقات بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، وفتح سفارات في نهاية المطاف.
وبذلك، بدا أن غالبية دول التطبيع لجأت إلى نظام المقايضة في جلب مصالحها على حساب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتهم المغرب التي اختارت معظم الأحزاب السياسية فيها التركيز على الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وهي صيغة يرى البعض أنها تمثل تنازلًا عن إحدى ثوابت البلد في السياسة الخارجية.
من أجل ذلك، تساءل أحد المدونين عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "هل أصبحت الصحراء مقابل القدس؟ وهل تتساوى أي أرض مع القدس؟".
وتنسحب هذه المقايضة على السودان الذي كان ينتظر دعم واشنطن لإزالته من قائمة الدول الراعية للإرهاب؛ من أجل الإقدام على التطبيع.
والأمر نفسه، مع الإمارات والبحرين اللتان لجأتا إلى التطبيع "مقابل الحماية" من التمدد الإيراني في المنطقة، وفق الكاتب والمحلل السياسي أسامة سعد.
ويقول سعد لـ "صفا": "المسألة أصبحت هكذا، الدول العربية أصبحت لديها مطالب تقايضها بالحق الفلسطيني، وهذا ما حدث في مسلسل التطبيع منذ كامب ديفيد 1978".
ويشير إلى أن مصر استعادت سيناء بموجب اتفاقية السلام مع "إسرائيل" في كامب ديفيد، وكذلك الأردن في العام 1994 مقابل امتيازات اقتصادية.
وبسؤاله عن خطورة ذلك، أجاب سعد بأنه بذلك "انفرط عقد الأمّة العربية، ولا داعي لوجود جامعة عربية، أو الحديث عن تضامن عربي مشترك".
ويصف ما يجري بأنه "تكريس مقيت لسايكس بيكو بعد حوالي 100 عام من توقيع الاتفاقية"، مضيفًا أن "كل دولة الآن في حدودها الإقليمية قد تذهب للتحالف مع الشيطان، ولا يهمّها ذلك".
وكان مفاجئًا في هذا السياق، تصريح وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، لقناة "فرانس24"، بأنه "يجب الابتعاد عن استعمال مفاهيم غير متماثلة مع السياق المغربي.. كلمة تطبيع قادمة من سياق آخر، دستور المغرب يقول إن أحد روافد الهوية المغربية هو الرافد العبري، والمغرب اعترف بإسرائيل منذ التسعينيات"، مضيفا أن بلده "يستعمل كل هذا في خدمة القضية الفلسطينية من منطلق ثوابت واضحة".
وتعليقًا على ذلك، يقول أستاذ الإعلام بجامعة بيرزيت نشأت الأقطش، إن "كل هذه مبرّرات غير مسنودة، فأيّ تطبيع مع إسرائيل دون أن يأخذ الفلسطيني حقوقه يضرّ بالقضية الفلسطينية مهما حاولنا تجميله".
ويرى الأقطش، في تصريحات صحافية، أن "الربط بين القضيتين (أي قضية الصحراء والقضية الفلسطينية) مؤسف ومؤلم ويجرح الشعوب العربية، ويُظهر كما لو أن هناك ثمن ينبغي دفعه".
كما تصف تحليلات غربية بأن "هذه الدول باتت تعلن مصالحها بشكل لا لبس فيه، ما يضع مبادرة السلام العربية في مأزق كبير، ويؤسس لمرحلة جديدة من أكبر تجلياتها: انهيار أكبر للخط الرسمي العربي المتوحد وراء الجانب الفلسطيني".
وفي السياق، نفسه ترى الكاتبة والصحافية فاطمة ياسين، في مقال لها تابعته "صفا"، أن قرار الاعتراف بمغربية الصحراء يعني مزيدًا من الصراع في منطقة بعيدة جدًا عن مركز الحدث الفلسطيني الذي تقرر كل مؤتمرات القمة العربية أنه القضية العربية الأولى.
ولكن يتبين الآن بوضوح، برأيي ياسين، أن قضية فلسطين ليست أولى أو ثانية، بل يمكن إعادة ترتيب أولويتها فتُستخدم للتكسّب.
وهذا التكسّب، أوجزه الكاتب الفلسطيني باسل طلوزي في مقاله بعنوان "فلسطين في مزاد السعر الأدنى"، تابعته "صفا"، حين كتب: "وكأنّ إسرائيل تدخل مزادًا عكسيًّا لتشتري سلامها بأبخس ثمنٍ عرفه تاريخ المقايضة البشري، فمن إمارات بدأت البيع بكذبة إلغاء ضم الضفة الغربية لقاء سلامٍ يسيل لعابها عليه أزيد من لعاب المشتري، إلى بحرين لم تطلب سعرًا غير ثمن تذكرة سفر وزير خارجيتها إلى واشنطن لتوقيع معاهدة التطبيع، مرورًا، بسودان لم يتسوّل سوى رفع اسمه عن القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وصولًا إلى مغرب لم يشترط أزيد من اعتراف أميركيّ بسيادته على أرضٍ هي من حقّه أصلًا".
وخلافًا للمرات السابقة، لم تصدر السلطة الفلسطينية موقفًا رسميًا من تطبيع المغرب، علمًا أن الرباط ذكرت أن اتصالا جمع الملك برئيس السلطة محمود عباس لاطلاعه على تفاصيل الاتفاق.
وقد أشادت "إسرائيل" بالاتفاق مع المغرب، ووصفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه "ضوءا عظيما آخر للسلام". وهو تصريح يعكس إلى أيّ مدى يخدم فيه التطبيع المصلحة الإسرائيلية بالدرجة الأولى، على حساب القضية الفلسطينية ومصالح العرب أنفسهم.
من أجل ذلك يختم الكاتب الفلسطيني باسل طلوزي مقاله، بالقول إن ثمة جانبًا مشرقًا في الأمر، "فقد تكشّف للشعوب العربية مبلغ الرخْص في صفقات التطبيع المستعرة.. ولكن فلسطين ستظلّ الأغلى سعرًا، لأن ثمنها أنهار دماء يصعب على مثل أولئك أن يقيّموه".
