web site counter

الاحتلال حاسب من سرقه وكرم من قتل أمه!

"يحاول جيش الاحتلال إظهار أنه جيش أخلاقي، لكن الواقع يعكس حقيقة أنه جيش قاتل ومجرم وكاذب وسارق، ومهما حاول فإنه لن ينجح في تجميل صورته القبيحة". 

بتلك الكلمات رد الشاب أحمد أبو رفيع على قرار محكمة إسرائيلية يوم أمس الثلاثاء بسجن جندي من وحدة "جفعاتي" لسبعة أشهر ونصف لإدانته بسرقة بطاقته المصرفية من منزل العائلة القريب من "سوق السيارات" جنوب حي الزيتون خلال الحرب على غزة واستغلالها لسحب مبالغ مالية بشكل غير مشروع.
 
لم يجد أبو رفيع بداً من السخرية من قرار المحكمة "المضحك المبكي" بحق الجندي "الحرامي"، في حين أنها لم تحاسب الطيار الإسرائيلي الذي أطلق صاروخاً من طائرته باتجاه المنزل مستهدفاً الأبرياء، ما أسفر عن استشهاد أمه وعمه وإصابة أخواته الأربع وابن عمه زيد.
 
وأشار إلى استشهاد أكثر من 1500 فلسطيني وجرح الآلاف على يد جيش الاحتلال خلال الحرب الأخيرة، ومعظمهم من النساء والأطفال، ولكن أحداً لم يحرك ساكناً، بل بالعكس تم تكريم عدد كبير من الجنود والقادة في الجيش عقب الحرب.
 
بداية دموية
وروى أبو رفيع (23) عاماً قصته قائلاً: "بعد عصر السبت 3/1/2009 وهو اليوم الأول من الحرب البرية، كان جميع أفراد الأسرة في المنزل مترقبين تطورات الوضع الميداني، خاصة وأن الدبابات الإسرائيلية لا تبعد عن منزلنا إلا مئات الأمتار".
صورة للانفجارات بجوار منزل أبو رفيع (صفا)
 
وأضاف في حديث خاص لوكالة "صفا": "كان أفراد من الأسرة جالسين في فناء المنزل، قبل أن تطلق طائرة من نوع "أف 16" صاروخاً بالقرب منهم ما أدى إلى استشهاد الوالدة عائشة (53) عاماً والعم صلاح (35) عاماً، وإصابة أخواتي الأربع وابن عمي الشهيد بجراح متفاوتة".
 
وتابع: "كانت الصدمة كبيرة وتم نقل الشهداء والجرحى، وبعد ذلك بدأنا نلملم أنفسنا متعالين على جراحنا ونجمع ما نستطيع من الأوراق والملفات الشخصية والحاجيات لكي نترك المنزل المكون من 5 طوابق هرباً بأرواحنا من جريمة أخرى".
 
وأشار إلى أن العائلة انتقلت مساء نفس اليوم إلى منزل عم آخر يبعد مئات الأمتار، لكن هذا لم يمنع أن تصلهم نيران القذائف الإسرائيلية والرشاشات الثقيلة وتصيبه، حيث يقع على خط النار في منطقة تواجد مكثف لدبابات وآليات الاحتلال وسط تحليق واسع لطائرات "أف 16" والاستطلاع.
 
وفي صباح اليوم التالي، سمع أحمد وأسرته عبر أثير إذاعة محلية تم "اختراقها" أوامر من قوات الاحتلال في المنطقة بإخلاء المنازل وأن من سيبقى سيتحمل المسئولية عن حياته، ومع "حلاوة الروح" خرج وعائلته تاركين وراءهم كل شيء للمرة الثانية خلال أقل من يوم.
 
هروب نحو المجهول
ذهل أبو رفيع من هول ما شاهده، فيما كان بخطواته المتثاقلة يبحث عن مخرج من هذا الموت المحدق، موضحاً أن الجميع خرجوا رافعين الراية البيضاء علها تشكل حماية لهم.
 
وقال: "خرجنا مسرعين متجهين شمالاً نحو دوار (دولة)، وجدنا الجرافة الإسرائيلية واقفة بجانب منزلنا، وتفاجئنا بإطلاق النار من القناصة باتجاهنا رغم أننا نرفع الراية البيضاء".
 
وأضاف "أثناء مرورنا بشوارع ضيقة وأراضٍ زراعية وعرة دون أن نقصد الشارع الرئيسي (صلاح الدين) خوفاً من أي استهداف، تفاجئنا من منظر الأشلاء الممزقة والشهداء المتروكين على الأرض جراء القصف الإسرائيلي، شاهدنا الموت والدماء في كل مكان".
جنود إسرائيليين خلال الحرب على غزة (صفا)
 
ومع وصول أفراد العائلة إلى دوار "دولة"، بدأت الطمأنينة تتسرب إلى نفوسهم شيئاً فشيئاً حتى انتقلوا إلى مدرسة "الفلاح" التابعة لوكالة الغوث الدولية "الأونروا" منذ يوم الأحد 4/1 حتى انسحاب قوات الاحتلال في التاسع عشر من نفس الشهر.
 
بعد الحرب
بعد الحرب، عاد أبو رفيع إلى منزله ليتفقد أحواله، فالاحتلال لم يكتف بقتل أمه وعمه، بل "تفنن" جنوده في النيل من المنزل بالقصف بأنواع مختلفة من الصواريخ والقذائف ونيران الرشاشات الثقيلة، فضلاً عن تخريب الممتلكات.
 
وتوجه بعد ذلك إلى منزل عمه الذي كان محطته الأخيرة قبل أن يفر مع أسرته ليجد أغراضه مبعثرة، وعثر على هويته وأوراق أخرى لكنه لم يعر الاهتمام لموضوع بطاقة الصراف، مفترضاً أنها ستكون في مكان آخر في الغرفة المقلوبة رأساً على عقب كحال باقي المنزل.
 
وترك الأمر مؤقتاً وذهب ليجهز مع عائلته سرادق عزاء والدته وعمه، وبعد انتهاء العزاء توجه إلى بنك "فلسطين" المحدود لسحب راتبه، لكن الموظف أخبره بأنه حسابه لا يوجد فيه سوى50 شيقلاً (نحو 13 دولاراً).
 
عاد أبو رفيع إلى منزله وهو في حيرة من أمره وتوجه إلى مراكز حقوق الإنسان بعد سماعه حول استقبالها شكاوى في هذا الصدد، وذلك لاسترداد حقوقه ممن سرق بطاقته من جنود الاحتلال.
 
وأوضح أن محامي المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الذي استقبل شكواه أبلغه بالعودة إلى البنك، حيث شرح للمسئول هناك قصته وتعاون معه، فيما اكتشف أن سحب المبلغ تم على عدة مراحل.
 
وأشار إلى أن الجندي "الحرامي" لم يتمكن من سحب المبلغ مباشرة من البنك، لذلك اشترى بالبطاقة حاجيات من عدة محال تجارية، ففي المرة الأولى اشترى بقيمة ألف شيقل وفي الثانية سحب 400 شيقل وفي الثالثة لم يتمكن من سحب سوى مائتي شيقل.
 
محاكمة الاحتلال
وبعد فترة من الشكوى التي قدمت عبر محامي المركز إلى محامٍ في الأراضي المحتلة عام 1948 ومنها إلى مكتب التنسيق التابع لجيش الاحتلال تم القبض على الجندي "السارق".
 
وقال أبو رفيع إنه تلقى اتصالاً قبل ثلاثة أشهر من محامي الجندي يخبره بأنه أرسل له مبلغاً من المال مقابل المبلغ الذي "سرقه" بفائدة مالية ورسالة اعتذار شخصية.
 
وأضاف أن "المحامي الإسرائيلي حاول أن يغلق القضية على هذا النحو، وقال لي هل أنت سعيد لاسترجاع نقودك والقبض على السارق، وحاول إقناعي بطريقة غير مباشرة بإغلاق القضية على اعتبار أنني استرجعت حقي واعتذاراً من الجندي".
أطفال يقفون أمس أمام منزل دمر خلال الحرب (صفا)
 
وتابع: "لكنني رفضت لأنني كنت أرغب بأن ينال الجندي عقابه، فالأمر لم يكن مادياً فقط، بل إنني كنت أريد أن أظهر للعالم حقيقة هذا الجيش المجرم القاتل السارق".
 
وأكد أن "إسرائيل" تعاملت مع قضيته بطريقة مزدوجة المعايير، فهم حاسبوا الجندي الذي سرق مني ولم يحاسبوا من قتل أمي وعمي وشردنا ودمر وخرب منزلنا من جنود وقادة جيش الاحتلال.
 
وذكر أن والده رفع قضية منفصلة على جيش الاحتلال لملاحقة مرتكبي جريمة قتل زوجته وأخيه واستهداف منزل العائلة دون مبرر.
 
وتساءل بقوله: "هل يمكن أن يعوضني الاحتلال عن أمي وعمي، هل يمكن أن يعوضني الخراب والدمار والسرقة؟، لا يمكن لأي مبلغ مادي أن يعوضني عما فقدته".
 
وأضاف: "أريد أن تحاكم (إسرائيل) ويجب أن يعاقب مرتكبو الجريمة ضد عائلتي، ولن نتنازل عن الدعوى حتى تتحقق العدالة".

/ تعليق عبر الفيس بوك