أكد مختصان في الشأن الأمني والاستخباراتي أن العملية الاستخباراتية التي كشفت "سرايا القدس" الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي عن تنفيذها على مدار 4 سنوات، تؤكد أن فصائل المقاومة بغزة استطاعت أن تفهم أساليب وسلوك الاحتلال وأجهزته الاستخباراتية، وأصبحت تمتلك الجرأة على خوض عمليات صعبة من هذا النوع.
واعتبر المختصان أن عملية "بيت العنكبوت" التي أعلنت عنها السرايا هي سلوك متطور في أداء المقاومة، ناتج عن مواكبة الخبرة التي تمتكلها أجهزة المقاومة في الفصائل خاصة كتائب القسام، التي سبق وأن أعلنت عن عمليات استخباراتية كعملية "ما خفي أعظم".
وكشفت "سرايا القدس" الذراع العسكري لحركة الجهاد الاسلامي مساء الاثنين عن عملية استخباراتية معقدة نفذها جهاز الأمن التابع لها ضد الاحتلال الإسرائيلي واستمرت لنحو 1400 يوم.
وقال ضابط في أمن سرايا القدس خلال فيلم وثائقي تحت عنوان "بيت العنكبوت" الذي بثته قناة الميادين الفضائية، "إنه وفي إطار العمليات الأمنية المعقدة التي نفذها جهاز "أمن سرايا القدس"، تم اختراق منظومة التجنيد وإدارة العملاء داخل أروقة جهاز الشاباك".
وتابع "تمت إدارة عملية تجنيد لمجندين من "سرايا القدس" على فترات زمنية متباعدة، ومع عدد من الضباط المشغلين، حيث إن مراحل الاتصال بين المجندين والمشغلين تمت إدارتها ومتابعتها بدقة من قبل جهاز الأمن بالسرايا".
وقال المختص بالشأن الأمني محمد أبو هربيد لوكالة "صفا": إن فيلم سرايا القدس جزء من حرب أمنية تدور بين فصائل المقاومة ومخابرات الاحتلال في الخفاء، وهي أداء متطور ناتج عن مواكبة أساليب العمليات الاستخباراتية والخبرة التي تمتلكها الأجهزة العسكرية في المقاومة خاصة "كتائب القسام".
وأضاف "هناك حالة من الجرأة يحملها هذا الإنجاز، فلم يكن في السابق أي فصيل يجرؤ على الدخول في عمليات صعبة كهذه بسبب خبرة وقدرة الاحتلال الاستخباراتية".
واستدرك "لكن اليوم المقاومة تخوض وتنجح بتجربة جديدة في عالم المخابرات، وهي من خلالها استطاعت أن تفهم سلوك وأساليب الاحتلال وضربه استخباراتياً وأمنيًا".
"من يكتشف الآخر"
ويشدد أبو هربيد على أن الفيلم انتصار جديد سجل للمقاومة في المجال الأمني، لكن وفيما يتعلق بتوقيت إعلان الفيلم فهو ليس له دلالة بقدر أن اكتمال إنتاجه إعلاميًا، ومن قبل اكتمال الصورة والمشهد، هو ما فرض نفسه.
وفي نفس الوقت-يكمل أبو هربيد-فإن عرض الفيلم يأتي لوضع المواطن الفلسطيني في صورة الإنجازات والمعركة الأمنية الدائرة بغزة.
وأيضًا يجد الخبير الأمني في الفيلم بأنه يحمل رسالة بأن الصراع الذي يحدث الآن بين المقاومة والاحتلال هو "من يكتشف الأخر" أي من يعرف أساليب وتوجهات الأخر، قائلًا إن "الحرب الأمنية يوم لك ويوم عليك، وما تعلنه فصائل المقاومة من إنجازات في هذ الجانب كنز وثروة للجهة التي استطاعت تنفيذ الإنجاز".
ويشير إلى أن هكذا عمليات ستساعد المقاومة في فهم الاحتلال ومعرفة أساليبه في أية مواجهة عسكرية قادمة، لكنها في ذات الوقت ليست سببًا في الجر نحو هذه الحرب العسكرية، فالأخيرة لها توقيت وذروة ونهاية معينة أما الحرب الأمنية فهي مستمرة ولها ذروة أيضًا لكنها لا تنتهي.
"من المسئول عن الفشل"
الباحث بالشأن العسكري والأمني رامي أبو زبيدة قال إنه من بعد صفعة "سراب" الأمنية تأتي صفعة "بيت العنكبوت" للقيادة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، التي عليها الآن أن تخوض حربًا من نوعٍ آخر تحت عنوان "مَن المسؤول عن الفشل؟".
وأضاف أبو زبيدة "مؤكَّد أن القلق وهاجِس الفشل الذي أصبح مُلازِمًا للمنظومة الاستخبارية الإسرائيلية، سيترك أثره البالِغ في تل أبيب التي كانت حتى وقت قريب تركِّز على نجاحات، مقابل الصمت عن إخفاقاتها، وستظهر للعَلَن الخلافات بين مختلف الجهات والمستويات السياسية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية، وكل جهة مُشارِكة ستبذل جهوداً لإلقاء المسؤولية على الأخرى".
ومن وجهة نظره، فإن فيلم "بيت العنكبوت" حمل تسجيلات ومشاهد حول إدارة الطاقم الأمني بسرايا القدس لاختراق منظومة التجنيد وإدارة العملاء لدى الشباك استمرت لـ 1400 يومًا، وأن إدارة عملية التجنيد لمجندين من "سرايا القدس" تمت الاستفادة منها في تحديد عديد من الثغرات الأمنية في عمليات إدارة التجنيد وإدارة العملاء من قبل ضباط جهاز "الشاباك".
وأشار إلى أن المقاومة استطاعت تضليل ضابط الشاباك بإعطائهم معلومات عن تربيض صواريخ ثقيلة في أماكن محددة وتم تالاستفادة من هذا التضليل في جوانب أمنية عديدة.
وحسب أبو زبيدة، فإن مُعطيات الفيلم تكشف فشل الاحتلال في اختراق المقاومة ومنع تعاظُم قوة وقُدرات المقاومة التي من شأنها تغيير المُعادلات وتثبيت مُعادلة الرَدع.
وأضاف "استطاع جهاز أمن السـرايا أن يخترق المنظومة الأمنية الإسرائيلية ويُسجل نجاحات كبيرة في تضليل عناصر الشاباك الذين يعملون ليل نهار لاستهداف المـقاومة الفلسطينية، والنتيجة هي إعلان فشل استراتيجية المَنْع وما تُسمِّيه إسرائيل المعركة بين الحروب".
ورأى أن الإنجازات الأمنية لـ"بيت العنكبوت" لها دلالات أبرزها أن العمليات السرّية تعد من صُلب العمل الاستخباري، فالحصول على المعلومات عن العدو لا يتمّ من دون العمليات التي تتمّ من خلالها كافة النشاطات والأعمال التي تُسهِّل عملية جَمْع المعلومات.
وبيّن أن العملية أثبتت قدرة أمن السـرايا مراقبة خلايا الاحتلال وجمع الأدلة المطلوبة لمواجهة المُتخابِر بالأدلَّة الدامِغة التي تشلّ عنده أية مناورة، وأن هذه المراقبة تتخللها أدلة قوية من اتصالات، صور، تسجيل مكالمات، متابعة، مطاردة وغيرها".
وشدد على أن الفيلم يدلل على أن استخبارات المقاومة أصبحت ذات علم واطلاع عن الاحتلال، وهو تقدّم بخطوة على العدو والسيطرة على أدواره من خلال ضخّ معلومات زائِفة له وحرب نفسية وحرب ناعِمة والكشف عن تفكير العدو واهتماماته وماذا يخطط له ومن ذلك التعرف على اهتمامات ضباط الشاباك برصد قادة المقاومة وإمكاناتها.
وتدلل "بيت العنكبوت" على الاحتراف لدى أجهزة أمن المـقاومة في بناء ومراكمة قوتها، ولذلك فهي عليها ثلاث مهام أساسية، الأولى مُتابعة العدو في حال الهدوء والحرب لمعرفة خططه ونواياه وبناء قوَّاته.
أما المهمة الثانية فهي أن المقاومة تعطي تصوّرات للقيادة عمّا تحتاجه من وسائل وقُدرة تتفوَّق بها على العدو لتحقيق نوعٍ من التوازن، والثالثة هي العمل بأن تشوِّش على الاحتلال المعلومات الخاصة ببناء القوة لديها لغرض إيهامه وإخفاء أو تضخيم الحقائق لديه.
