على مرمى حجر، يدخل القرار بقانون حول الحماية والسلامة الطبية والصحية، حيز التنفيذ، وسط رفض قاطع من نقابة الأطباء، ما يفتح الباب أمام اضطراب القطاع الصحي في الضفة الغربية المحتلة.
وعلّق الأطباء العمل بكافة المؤسسات الطبية والصحية في الضفة لمدة ساعتين الأحد الماضي، في باكورة الفعاليات الاحتجاجية التي شرعت بها نقابة الأطباء للاحتجاج على قانون الحماية.
وطالب نقيب الأطباء الدكتور نظام نجيب بسحب هذا القانون وتجميده، مهدداً أن رد النقابة سيكون قاسياً إذا لم تستجب الحكومة لمطالب النقابة.
وكانت حكومة التوافق قررت في أكتوبر 2016 تشكيل لجنة وطنية لإعداد مسودة قانون الأخطاء الطبية، والذي تم تعديل مسماه إلى "قانون الحماية والسلامة الطبية والصحية" بناء على تحفّظ نقابة الأطباء.
وبعد سنتين من النقاشات، خرجت اللجنة بمسودة نهائية للقانون، توجت بإصدار القرار بقانون رقم 31 لسنة 2018 في سبتمبر الماضي، ليكون نافذًا بعد مرور ثلاثة شهور على نشره بالجريدة الرسمية، أي بتاريخ 23/12/2018.
وشهدت السنوات الأخيرة وقوع سلسلة أخطاء طبية أودت بحياة العديد من المرضى، وتسببت بإعاقات جسيمة لآخرين، لا زال بعضهم يرقد في المستشفيات حتى الآن بانتظار معجزة للشفاء.
وبحسب نقيب الأطباء، تلقت النقابة منذ بداية العام الحالي 26 شكوى حول أخطاء طبية، تم البت في 16 حالة منها على انها ليست خطأ طبيا، و 10 حالات لا زالت بانتظار قرار لجان التحقيق.
ويؤكد خبراء افتقار فلسطين إلى آلية للتعامل مع الأخطاء الطبية، كما لا يوجد توحيد وثبات في كيفية تشكيل لجان التحقيق، وغياب التعويض الكافي للمريض، وغياب التأمين ضد الأخطاء الطبية، أو صندوق لتعويض الحالات التي لا يغطيها التأمين، كما لا يوجد ما يلزم الطبيب ببروتوكولات طبية محددة.
وتبدي نقابة الأطباء عدة تحفظات على بنود القانون، وتكمن نقطة الاعتراض الجوهرية في تفسير القانون للخطأ الطبي الجنائي الذي يتيح توقيف الطبيب وسجنه.
ويصف نجيب هذا القانون بالناقص والمبتور، والذي لم يعد إعدادا كاملا، ولا يمكن العمل به منقوصا وبعيدا عن التوافق مع النقابة.
وقال في حديث لوكالة "صفا" إن المسودة الأولى للقانون حددت الخطأ الطبي المدني الذي يعوّض عليه المريض، والخطأ الجزائي الجنائي الذي يخرج عن الأعراف والأخلاق الطبية.
وأوضح أنه بعد التوافق على المسودة، تم إدخال تعديلات على بعض البنود بغياب نقابة الأطباء، وتم تعريف الخطأ الطبي بطريقة مختلفة، وحذف المواد التي تحمي الأطباء من السجن وتعطل المواد 343 و 344 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 60.
ويشير نجيب إلى وجود العديد من النواقص في القانون تستدعي تجميده، إلى حين اكتمالها والتوصل إلى توافق على البنود الخلافية.
ومن ذلك عدم جاهزية اللوائح والأنظمة والتعليمات التي سيتم العمل بها، وعدم اكتمال متطلبات التأمين ضد الأخطاء الطبية، وعدم تشكيل صندوق التعويضات عن الأخطاء وتشكيلة اللجنة الفنية.
وشدد على أن هذا القانون لن يمر بدون التوافق مع النقابة، لأنه يمس العمل الطبي وتقديم الخدمة الطبية، حيث سيعزف الأطباء عن القيام بواجبهم الطبي، خوفا من الوقوع في خطأ طبي يعرضهم للتوقيف والسجن، خاصة وأن هناك من بدأ يلمح إلى استخدام هذا القانون لسجن الأطباء.
وأضاف: "لن نقبل أن يكون هناك اعتقال أو توقيف لأي طبيب على خلفية عمله المهني".
الحماية للجميع
على النقيض من نقابة الأطباء، ترى رئيسة اللجنة الوطنية لصياغة القانون الدكتورة خيرية رصاص، أن هذا القانون يشكل إنجازاً قانونياً ويوفر الحماية للجميع، من مرضى وأطباء ومؤسسات طبية.
وتقول لوكالة "صفا" إن هناك فراغا واضحا في القوانين الخاصة بتنظيم المساءلة الطبية وحماية المؤسسات الصحية والأطباء والتعامل مع الأخطاء الطبية، وتلجأ المحاكم إلى قواعد عامة قديمة، ويتم اعتقال الأطباء وتوقيفهم حتى قبل صدور الأحكام القضائية القطعية.
وتؤكد أن هذا القانون سيكون بداية العمل لمحاسبة من لا يلتزم بالقواعد الطبية الصحيحة، ولتكريس بروتوكول صحي دولي، وتعزيز ثقة المواطن بالخدمة الصحية الوطنية، بدلاً من البحث عن التحويل للعلاج بالخارج.
وتعتبر رصاص أن موقف نقابة الأطباء الرافض للقانون، مبني على عدم الاطلاع الكافي على بنود القانون، قائلة: "من الواضح أنهم لم يطلعوا على بنود القانون، وأتمنى عليهم قراءة كافة البنود، فقد كانوا معنا في المشاورات، وهم شريك أساسي في إعداد القانون".
وأوضحت أن نقابة الأطباء أرادت إدخال بعض البنود التي لا يمكن إضافتها، لأنها تتنافى مع القانون الأساسي وبعض القوانين الأخرى.
وأضافت: "أوضحنا لهم أنه لا يمكن القبول بمخالفات دستورية أو إدخال إضافات تخل بأمور دستورية أو قانونية".
جيد رغم التحفظات
وقانون الحماية، قانون جديد يصدر بقرار رئاسي، في ظل تعطيل المجلس التشريعي عن ممارسة دوره في الدفاع عن حقوق ومصالح المواطن، في الوقت الذي شاركت النقابات الطبية المختلفة بوضع هذا القانون والدفاع عن مصالح منتسبيها.
من ناحيته، يقول رئيس الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان عمار الدويك إن هذا القانون بصيغته الحالية جيد، ويوفر الحماية للمريض وللطبيب وللمؤسسة الطبية، وفي حال تطبيقه بشكل أمين، فإنه سيرفع من جودة الخدمة الطبية الفلسطينية.
ويوضح أن المسودة الأولى للقانون كانت تحقق التوازن بين الطبيب والمريض والمؤسسة، إلا أن بعض الأطباء، وبسبب المبالغة في التخوفات، أدخلوا بالاتفاق مع الأطراف الرسمية، بعض التعديلات على المسودة في المرحلة الأخيرة، أدت لزيادة الحماية للطبيب على حساب الحماية للمريض.
ويبين أن التعديلات التي أدخلت كانت على تشكيلة اللجنة الطبية الدائمة للتحقيق بالأخطاء الطبية، بحيث يترأسها شخص يعينه وزير الصحة، فيما يعين نقيب الأطباء من طرفه نائبا للرئيس، ولا يصدر قرار اللجنة إلا بموافقة الطرفين معا.
وأضاف أنه وبالرغم من تحفظ الهيئة المستقلة على هذا التعديل، إلا أنها وافقت على تمرير القانون، نظراً للحاجة الملحة لوجود هذا القانون.
