ألقى رئيس السلطة الفلسطينية والقائد العام لحركة فتح محمود عباس خطابا سياسيا مطولا حدد فيه معالم البرنامج السياسي الذي سيتبناه المؤتمر العام السادس لحركة فتح، فيما اعتبر المؤتمر كلمة الرئيس وثيقة مركزية مهمة من وثائق المؤتمر.
واستعرض عباس في كلمة المؤتمر الافتتاحية مراحل ومحطات الثورة الفلسطينية التي فجرتها حركة فتح في الفاتح من كانون ثاني 1965 مرورا بمعركة الكرامة وحرب أكتوبر/تشرين أول عام 73.
وتطرق إلى مرحلة البدء في اللقاءات السرية بُعيد خروج منظمة التحرير من بيروت عام 82، وصولا إلى اتفاقية أوسلو ومن ثم الانتخابات التشريعية وما نجم عنها من فوز حماس عام 2006، وأخيرا بالحوار الوطني المستمر منذ أشهر.
وقال الرئيس عباس :" إن انعقاد مؤتمر فتح على أرض الوطن يمثل معجزة حقيقية، إلا أن الأهم من ذلك هو ما تنتظره الجماهير الفلسطينية من نتائج ستتمخض عن هذا المؤتمر".
وأوضح أن المؤتمر يشكل منصة انطلاق حقيقية لتعزيز نضال الفلسطينيين باتجاه استكمال مشروعهم الوطني، من خلال استعادة الأراضي المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وإنجاز حل عادل لقضية اللاجئين على أساس القرار الأممي 194 ومبادرة السلام العربية.
وشدد الرئيس عباس على أن مؤتمر فتح مطالب بأن يشكل رافعة لاستنهاض منظمة التحرير وتفعيل كافة مؤسساتها، محذرا أي جهة من محاولات تهميش المنظمة "وهدم خيمتها" على حد قوله.
وفيما بدا أنه حسم من الرئيس لجدلية علاقة السلطة بفتح ومحاولة الفصل بينهما، أكد عباس على أن مؤتمر فتح مطالب بتقديم رؤية حول مختلف القضايا تشكل مجال عمل السلطة الفلسطينية وتعكس قناعات فتح حول طبيعة الدولة التي يريدها الفلسطينيون من خلال نموذج السلطة.
وقال:" نريد دولة ترسخ سيادة القانون وتحترم حقوق الإنسان وتضمن حقوق المرأة، وتعتمد صناديق الاقتراع ومبدأ تداول السلطة وقبول الآخر والانفتاح على العالم، مع ضرورة أن يتبنى المؤتمر نظاما للمحاسبة في كافة أطر حركة فتح لإزالة أي ترهل أو منافذ للفساد والاستخدام السيء للسلطة".
وشدد القائد العام لحركة فتح على ضرورة أن تتلافى قيادة فتح الجديدة خطأ عدم انعقاد المؤتمر العام لمدة 20 عاما، وقال:" نحن أخطأنا 20 عاما، والذين سيأتون لا يجب ان يخطئوا".
الأسرى
وفيما يتعلق بشأن التسوية السلمية مع الاحتلال، أكد الرئيس على أن منظمة التحرير عقدت اتفاق مبادئ مع الاحتلال من خلال اتفاقية أوسلو عام 1993 وكانت قضايا الوضع النهائي فيه محددة بستة عناوين هي: القدس واللاجئين والحدود والمياه والأمن وإقامة الدولة.
لكن عباس أضاف ملفا جديا كشرط للتوقيع على اتفاق سلام دائما وهو الإفراج عن كافة الأسرى المعتقلين في سجون الاحتلال.
وأكد عباس على أن الجانب الفلسطيني رغم قائمة الاشتراطات التي وضعها الإسرائيليون على القبول بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ليس لديها أية اشتراطات مسبقة سوى المطالبة بضرورة تنفيذ "إسرائيل" لالتزامات حكوماتها السابقة في الشاق المتعلق بها من خارطة الطريق، والتي التزم بها الجانب الفلسطيني.
وفي هذا السياق، قال إن المبادرة الجديدة التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بضرورة قيام الدولة الفلسطينية كشرط للسلام الدولي، تعد فرصة هامة.
وقال إن:" الدولة الفلسطينية أضحت محل إجماع دولي، لذلك فإن قيامها على الأراضي المحتلة عام 67 بما فيها القدس الشريف باتت مسألة وقت، في حين تقف إسرائيل معزولة ضد الشرعية الدولية".
منع أعضاء غزة
وتطرق عباس في كلمته المطولة إلى منع حركة حماس قيادات فتح من حضور المؤتمر باشتراطها الإفراج عن معتقليها في الضفة، مؤكدا أن مؤتمر فتح عقد في زمانه ومكانه لأن الحرة ترفض رهن مشروعها الوطني بقرار "الانقلابيين"
ورغم تأكيده على أولوية إنهاء الانقسام واستعادة وحدة الوطن والشعب والمؤسسات، إلا أنه أكد على عدم السماح " للظلاميين بأن يواصلوا نهجهم التخريبي بضرب المشروع الوطني"، وفق قوله.
وفي الوقت ذاته، قال عباس:" نحن مصممون على الوحدة مع حماس ونعترف بوجودهم وهم جزء من الشعب الفلسطيني لكم عليهم أن يفهموا أن الجزء يكمل الكل ولا ينفيه".
واستعرض الرئيس عباس أيضا ما سماه تقويما لأهم التطورات التي أعقبت التوقيع على اتفاقية أوسلو التي قال إنها حققت إقامة أول سلطة للفلسطينيين على أرض فلسطينيين ومكنت من إعادة مئات آلاف الفلسطينيين إلى وطنهم، وشكلت محطة عمل باتجاه إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وفي معرض سرده للتطورات الأخيرة، قال الرئيس إن الفلسطينيين تراجعوا كثيرا في السنوات الأخيرة وعلى صعد متعددة، في حين كان لـ"إسرائيل" الدور المركزي في هذا التراجع والذي توج بأن دفع الرئيس الراحل ياسر عرفات حياته ثمنا لذلك في حصار بشع.
وفاة عرفات
وفي هذا السياق، تعهد عباس بمواصلة البحث وجمع الأدلة لمعرفة أسباب وفاة الرئيس الراحل، ومواصلة الاتصال بالدول المعنية لتحقيق هذا الغرض، مشيرا إلى تأسيس السلطة الفلسطينية مؤسسة كاملة باسم الشهيد ياسر عرفات لتخليد ذكراه والعمل على كشف أسباب وفاته.
وفيما بدا ردا على اتهامات رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير وأمين سر حركة فتح فاروق القدومي له بالتورط في اغتيال الراحل عرفات، قال عباس:"لن ينفع البعض المتاجرة باستخدام هذا الدم الطاهر... عيب عيب.. وعلى من يتاجر به أن يغلق هذا الباب ".
وفي سياق تقييمه للوضع الفلسطيني في السنوات الأخيرة، قال عباس إن السلطة الفلسطينية بدت ببين عامي 2001- 2002 وكأنها وصلت حافة الانهيار، موجها اتهامه لحركة حماس بمحاولة "الانقضاض على السلطة واستئصالها" من خلال محاولة كسب الدعم الأمريكي الإسرائيلي.
وتلت هذه المرحلة، جملة من الأخطاء التنظيمية في حركة فتح وضعف الانضباط الجماهيري الذي هيأ الأجواء المناسبة لخسارة الحركة في انتخابات المجلس التشريعي أمام حركة حماس عام 2006، وفق عباس.
وشدد على أنه رغم استيلاء حماس على السلطة عام 2007 في قطاع غزة، إلا ان السلطة في الضفة لم تتوقف ولن تتوقف على أداء واجبها تجاه أهالي غزة، وهي التي تخصص 58% من ميزانيتها لهم.
وتحدث عن إنجازات السلطة الفلسطينية في العامين الأخيرين من خلال تحقيق شعار :" سلطة واحدة قانون واحد وسلاح واحد"، مشددا على أن السلطة لن تسمح "بأن يعبث بأمننا أو أن يخربه سنحافظ على كرامة المواطن ولقمة عيشه بالحدود الممكنة".
المفاوضات
وفيما يتعلق بالمفاوضات مع الاحتلال أيضا، شدد عباس على أن الجانب الفلسطيني الذي تعرض للوم كبير بعد فشل محادثات كامب ديفيد عام 2000، لم يعرض عليه أي مقترح يمكن القبول به، سوى بعض الأمور التي طرحها الرئيس الأمريكي بل كلنتون في حينها وكانت على سبيل جس النبض فقط.
ورغم رفض الجانب الإسرائيلي تنفيذ ما عليه من التزامات في خارطة الطريق، شدد الرئيس عباس على أن الفلسطينيون لن يذهبوا إلى مفاوضات دون وقف الاستعمار، "وهو الموقف المتناغم مع دعوة الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي"، مؤكدا على رفض الفلسطينيين أيضا لما يسميه الإسرائيليون "تجميد الاستيطان"، مبينا أن كافة المستعمرات التي بنيت منذ احتلال عام 67 غير شرعية.
وقال عباس :" إن الجانب الفلسطيني فاوض عاما كاملا بعد قمة انابلوليس ناقش خلالها أمورا وثقت في محاضر جلسات ومنها أن الأرض المحتلة هي غزة والضفة وبينهما ممر، وتشمل الضفة القدس والبحر الميت ونهر الأردن والمناطق المنزوعة السلاح على حدود 67".
إلا أن الجانب الإسرائيلي، حسب الرئيس، عاد بعد انتخاب نتنياهو ليقول إن القدس موحدة فيما صادر 130 دونم من البحر الميت ومضت في بناء المستعمرات بشكل لا يمكن القبول به.
وتطرق عباس أيضا إلى التصعيد الإسرائيلي في القدس، مبينا أن حملة التهويد وهدم المنازل وطرد السكان تساهم في تبديد آمال السلام وتثير الشكوك حول العملية التفاوضية بأسرها.
المقاومة الجماهيرية
وفيما يتعلق بالمقاومة، أشار عباس إلى أن المقاومة الجماهيرية التي تمارسها الجماهير الفلسطينية ضد الاستعمار والجدار وهدم ومصادرة البيوت تقدم نموذجا على قدرة شعبنا في استنباط أشكال النضال المختلفة المؤثرة في العالم.
وقال:" نؤكد على تمسكنا بخيار السلام دون أن يعني ذلك وقوفنا عاجزين أمام الانتهاكات المدمرة للسلام"، مؤكدا على حق الفلسطينيين الأصيل في المقاومة المشروعة التي يكفلها القانون الدولي، والمرتبطة بالإجماع الوطني.
ودعا عباس إلى تحديد أشكال المقاومة وتوقيتها، بما يضمن "أن لا يأخذ احد القانون بيده أو يجر الوطن إلى كارثة" على حد قوله.
وفي شأن الحوار الوطني، أكد عباس على ضرورة بناء وتعزيز الساحة الوطنية من خلال حسم العلاقة بين فتح وحماس وباقي الفصائل.
وأكد الرئيس على أنه تقدم باسم فتح ومنظمة التحرير للراعي المصري للحوار بالعديد من المبادرات من أجل الوصول إلى مصالحة وطنية من خلال دعوته لتشكيل حكومة وحدة وطنية إلا أن حركة حماس رفضت كل مقترحاته، وكلما تقدم الحوار خطوة تراجع خطوات.
وشدد عباس على ضرورة العودة لصناديق الاقتراع لتكون الحكم بانتخابات تشريعية ورئاسية جديدة، وعدم اعتبار الانتخابات خيارا لمرة واحدة فقط.
وطالب عباس بضرورة التوصل لمصالحة فلسطينية من أجل المساهمة في إعادة إعمار قطاع غزة من خلال أموال المانحين، وكذلك إتاحة الفرصة للإعداد لانتخابات تشريعية ورئاسية.
