ربما لن تبقى منحوتة "أنا راجع" التي خطها محمد أبو عمرو قبل يومين، طويلاً، فقد يطمسها موج البحر المتوسط من رمال شاطئ غزة بعد أن رحل شهيدًا برصاص قناصة الجيش الإسرائيلي لدى مشاركته بمسيرة العودة شرق المدينة أمس.
تلك المنحوتة الرملية كانت آخر أعمال الشهيد (23 عامًا)، فرصاص الجيش لم يمنحه مهلةً للعودة من المسيرات وتفقدها والتقاط صورةٍ لها كما اعتاد أن يفعل بأعماله الرملية، ليلحق بركب 15 شهيدًا ارتقوا في اليوم الأول من المسير الذي سيستمر ستة أسابيع.
والده نعيم (58 عامًا) المفجوع بنبأ استشهاد ولده يقول إن "محمد كان يُخطط لنحت خريطة لفلسطين بطول 100 متر ومفتاح العودة على ذات الشاطئ، لكن ذلك الحلم لم يكتمل بسبب الحاجة إلى الدعم المادي".
رحلة الشهيد وشغفه بالنحت على الرمال الشاطئية بدأ بعيد وفاة والدته قبل ستة أعوام ليرسم عبارة "أمي"، والتي لاقت اهتمامًا واسعًا على مستوى الفن المحلي في قطاع غزة.
ويبدو أن وفاة والدة محمد منحه نهمًا خاصًا للتعبير عن أفكاره بالنحت على الشاطئ، فقد رسم عدة شخصياتٍ وطنية كالراحلين ياسر عرفات وأحمد ياسين، والطفلة المعتقلة عهد التميمي، ورسوماتٍ أخرى للمسجد الأقصى والانتفاضة وأزمات تمر بها غزة كالكهرباء والحصار.
ومن ضمن ما خطّه على الشاطئ سابقًا: "كن إنساناً متفائلًا وضع هدفًا وخطة لحياتك واجعل شخصيتك منفتحة على الآخرين تعش سعيداً". لكن محمد لن يكون قادرًا بعد اليوم على مخاطبة أقرانه من الشبان ونقل ما يجول في خاطره على منحوتاته، بل ستبقى مجرد عبارات على صفحته في فيسبوك ليزورها مُحبّو الشهيد.
ربما لم يجد الشهيد نحات الرمال أكثر صلابةً وتجذرًا من الأرض ورملها ليعبر عن شغفه بحبها والعودة إليها وحلم شعبه بالرجوع إلى قراه وبلداته التي هُجّرَ منها قبل 70 سنة.
يُشار إلى أن محمد كان الشهيد الثاني من عائلته الصغيرة، فقد استشهد شقيقه إيهاب قبل 10 سنوات في قصفٍ إسرائيلي.
