web site counter

"النمورة".. مؤلفات متوالية رغم المرض وبعد الأبناء

يصر الكاتب والمؤلف محمود طلب النمورة (80 عاماً) على مواصلة عمله المضني في الكتابة والتأليف بجد وجدارة دون أن تثنيه الآلام المتواصلة التي يتجرعها من سرطانه، ولا آلام الحرمان من الزيارة لنجليه المحكومين بالمؤبد في سجون الاحتلال.
 
ويشق النمورة خطواته في مكتبته المتواضعة داخل بيته متنقلاً ما بين العدد المحدود من الكتب التي جمعها في السنوات القليلة الماضية، بعد نسف الاحتلال لمنزله وتدمير مكتبته، عقاباً لأبنائه الذين نفذوا عمليات جريئة ضد جيش الاحتلال في بداية انتفاضة الأقصى.
 
ولا يستسلم للسرطان الذي ينخر جسده منذ عشرة أعوام، بل يصر على إنتاج كتاب قادم حول القضية الفلسطينية.
 
بداية الكتابة
يقول النمورة لـ"صفا":" لقد بدأت كتاباتي عام 1965 بعدما وجدت نفسي ضائعاً بين الفكر والثقافة والتاريخ الغربي بسبب
الاحتلال هدم بيت النمورة واعتقل ولديه (صفا)
المناهج البريطانية التي كانت تدرس للطلبة في فلسطين، فقد كنت أجهل الكثير عن تاريخ بلدتي دورا والخرب المحيطة بها، عندما كنت أجلس مع كبار السن هناك".
 
ويضيف " هذا كان أحد دوافعي نحو البحث والتعمق في دراسة تاريخ فلسطين، ولكن أبرز ما دفعني للبحث والكتابة والتأليف هو إقدام الاحتلال على فصلي من سلك التعليم عام 1986، حيث وجدت نفسي في فراغ كبير دفعني للتوجه نحو الكتابة والبحث والتوثيق".
 
ويشير النمورة إلى أنه كان يحمل العديد من الشهادات العملية عندما جرى فصله من التعليم عهد الاحتلال، فكان يحمل شهادة البكالوريوس في اللغة الانجليزية من جامعة لندن، بالإضافة إلى شهادات أخرى في الإدارة والمحاسبة والاقتصاد والعلوم السياسية.
 
ويتابع "لقد عرض علي العمل براتب مغر في الخليج من أحد طلابي هناك، لكنني رفضت ذلك بشكل قطعي، واستمريت بالعمل الطويل في البحث والقراءة والتأليف".
 
ويضيف النمورة " بعد فصلي من التدريس نذرت نفسي باحثاً لأثأر لنفسي ووطني من الاحتلال الذي أبعدني عن توعية أبنائي، فقررت أن أقوم بتوعية شعبي كله، قاصداً بذلك كل المسلمين والعرب، وحتى العالم بأسره.
 
عمد بجد
ويؤكد النمورة أنه عمل منذ العام 1985 وحتى العام 1995 بشكل متواصل، بمعدل 18 ساعة باليوم في البحث والكتابة والقراءة، لكنه انشغل بعض الشيء عندما جرى تعيينه رئيساً لبلدية دورا بالخليل.
 
ويبين أنه يتقن اللغة الانجليزية، حيث قدم ورقة عمل في اليونسكو حول انتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين، وجعلته هذه المناسبة ينتقل من مرب ومعلم في اللغة الانجليزية إلى باحث.
 
وأعرب عن اعتزازه بكل مؤلفاته التي أصدرها عبر تلك السنوات، مشيراً إلى أنها ثمانية كتب، منها كتابين باللغة الانجليزية، حيث يفضل كتاب "الغرب والإسلام وفلسطين" على كتبه، ويأتي في المرتبة الثانية كتاب "الجريمة غربية أمريكية وفلسطين الضحية"، مشيراً إلى أن هذين الكتابين يحبهما كثيراً.
 
وبالنسبة لكتابه "الفلكلور في الريف الفلسطيني"، يقول "إنه نجح في تصوير تمسك الإنسان الفلسطيني بأرضه، وتصوير تمسك الأم الفلسطينية بالأرض وعين الماء والمقدسات والمراسم عند ولادة الطفل وختانه وعند الذهاب إلى الحج والذهاب للحصيدة، وغيرها من التفاصيل الحية للحياة في القرى والأرياف وبقية المناطق".
 
ضياع المكتبة
ويروي النمورة بحزن عميق قصة ضياع مكتبته، قائلاً: " توقعت في إحدى الليالي من عام 2002 أن يأتي جنود الاحتلال ليهدموا المنزل عقاباً لعائلتي على عمليات المقاومة التي نفذها ابني ضد جنود الاحتلال، حيث  نقلت في ذات الليلة بعضاً من الأوراق الهامة والكتب إلى منزل ابنتي في مكان آخر بالبلدة".
 
ويتابع "ما أن رجعت من مشواري سمعت أصوات مكبرات الصوت وآليات جيش الاحتلال تعلن حظر التجوال على كافة أرجاء بلدته دورا".
 
ويضيف "حضر جنود الاحتلال إلى المنزل، ولم يمهلونا لحظات قليلة لتغيير ملابسنا أو إخراج أي من مستلزمات المنزل، وأخرجونا فورا، وقاموا بتفجير المنزل المكوّن من ثلاثة طوابق".
 
ويوضح أن حوالي (5000) كتاب و (10) آلاف جريدة منها جرائد قديمة صدرت في فلسطين أعوام (1910 ،1912 ،1916) ضاعت جميعها تحت أنقاض المنزل، ولم يعوض منها شيئاً.
 
ويبين أن ابنيه أنيس وأكرم اعتقلتهما قوات الاحتلال عام 2001، وحكمتهما بالسجن المؤبد أربع مرات، مشيرا إلى أن اعتقالهما ترك غصّة كبيرة في قلبه لا تمحى إلا بالإفراج عنهما.
 
وتحدث والدمع يغمر وجهه بحسرة بالغة عن حرمانه من زيارة ابنيه في سجون الاحتلال، متوقعاً أن يفارق الحياة قبل أن تكتحل عينيه ليس بالإفراج عنهما، بل يخشى عدم رؤيتهما وهم داخل السجن بسبب منعه أمنيا منذ ثلاثة أعوام من زيارتهما.
 
وأما والدتهما، فقد أقعدها المرض ولم تقو على الحراك، ويسمح الاحتلال لها بزيارة أبنائها بين الفينة والأخرى، حيث يجري نقلها لزيارتهم بواسطة سيارة للإسعاف تحت رعاية الصليب الأحمر الدولي.
 
هولوكست إسرائيلي
وبنى النمورة على أنقاض منزله المدمر نموذجاً لما أسماه هولوكست ارتكبته "إسرائيل" بحقه، وتمكن من إنشائه من بقايا المنزل المدمر ليحتفظ بهذه الذاكرة المؤلمة لأبنائه وأحفاده وأهل بلدته وأبناء وطنه.
 
ويشير إلى أن "إسرائيل" بالغت فيما أسمته هولوكست واحد ارتكب بحقها، لكن الفلسطينيين منذ أول يوم لاتفاقية سايكس بيكو عام 1916 حتى اللحظة ويرتكب بحقهم عمليات هولوكوست عبر هذه السنوات.
 
ويوضح أن أمريكا وبريطانيا وفرنسا والصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية ما زالت تنفذ أحداث هولوكوست متكرر كل يوم للفلسطينيين.
 
وفيما يتعلق بمرضه، يشير النمورة إلى أن الفحوصات الطبية أثبتت بأنه مصاب بالسرطان منذ عشرة أعوام، حيث أنتج خلال هذه المدة سبعة من كتبه.
 
ورغم مرضه يصر النمورة على إنتاج الكتاب الثامن المكون من (700) صفحة بعنوان "فلسطين والفلسطينيون من اليبوسيين إلى المبادرة العربية السعودية"، والذي يعتز بها كثيراً، مشيراً إلى أنه وصل مرحلة متقدمة من الإعداد.

/ تعليق عبر الفيس بوك