ما إن سمعت هناء النجار الأم المكلومة منذ 38 شهرًا على التوالي، ببدء وصول وزراء حكومة التوافق إلى مقر مجلس الوزراء في غزة، حتى سارعت لتكون أول الواصلين إلى المقر المسيّج لتروي مأساتها.
ولم تهنأ النجار (45 عامًا) كباقي الأمهات منذ ثاني أيام عيد الفطر في العدوان الأخير على غزة صيف 2014؛ فرؤية ستة من أبنائها وزوجها يتحولون إلى أشلاءٍ في ثوانٍ بفعل قصف منزلها المؤجّر في خان يونس جنوب القطاع صنع منها أمًا تفيض بالتراجيديا اليومية، خصوصًا وأنهم لم يُدرجوا ضمن مخصصات الشهداء حتى اليوم.
ففي ذلك اليوم، لم تستيقظ الأرملة النجار على أهازيج أطفال العيد في حيهم الصغير ببلدة عبسان شرق المدينة "بل وجدت نفسي مدفونة تحت ركام المنزل المقصوف، فيما سمعتُ أشخاصًا آخرين ينتشلون ما تبقى من أبنائي وزوجي".
وتضيف "كان عيدًا إسرائيليًا بامتياز، ومنذ ذاك اليوم وأنا أبكيهم ولم أحصل على شيء من مخصصاتهم".
ولم تعتمد مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى التابعة لمنظمة التحرير حتى اليوم مخصصات الشهداء الذين قضوا في عدوان عام 2014 وفاق عددهم 2100 بذريعة عدم توفر موازنة مالية لهم.
واعتصمت النجار مع مئات من ذوي الشهداء المقطوعة رواتبهم أمام مقر مجلس الوزراء مع بدء اجتماع وزراء الحكومة برئاسة رامي الحمد الله اليوم لأول مرة منذ ثلاث سنوات.
وأخذت النجار تستجدي إدخالها إلى وزراء الحكومة لتشكو طول فترة معاناتها، وهي تنادي: " أنا أم سبعة شهداء أستحلفكم بالله أن تدخلوني إليهم".
وقالت لمراسل "صفا" إن "من حقي أن أرتاح بعد 3 سنوات من العذاب، أريد من الرئيس محمود عباس أن يعطيني حق أبنائي وزوجي لكي أستطيع أن أعيش مع ابني وبنتي".
وتعيش النجار بمنزل ذويها بعد أن أُثقلت بدفع إيجار منزلها السابق بسبب تأخر دفعات الإيجار من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" ومعها طفليها كريم وآلاء الصغيرة التي تلازم سرير المستشفى من يوم القصف حتى اللحظة.
لكن رؤيتها لقدوم الوفد الحكومي في مشهدٍ رسمي مليء بالحرس أوحى لها أن تسأل: "هل سيعطونني رواتب أبنائي الشهر القادم؟". لكن لا إجابة سوى ذرف المزيد من الدمع.
مأساة النجار لا تتوقف عن الحصول على مستحقات مخصصها؛ إذ أن زوجها أورثها دينًا بـ20 ألف شيكل وأخذت على عاتقها سد ذلك الدين، عدا عن حلماً بامتلاك منزل يعيد لها بعضًا من أيامها البائسة.
وعادةً ما تصرف مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى- لذوي الشهداء غير المتزوجين نحو 380 دولارًا، أما و450 للمتزوجين المعيلين.
واستهدفت الاعتصامات أمام مقر مجلس الوزراء في غزة بعد وصول الحكومة لغزة، للمطالبة برفع الإجراءات التي اتخذها الرئيس عباس سابقًا، والتي طالت قطع رواتب موظفين ورفض إقرار حقوق شرائح كثيرة على رأسها ذوي الشهداء والجرحى.
وترّقب المحتشدون صدور قرارات مهمة من قبل الحكومة خلال جلستها، خاصة أن عباس وعد برفع كل أثار الانقسام ورفع العقوبات الأخيرة على غزة فور تسّلم الحكومة لمهامها وحل اللجنة الإدارية التي شكلتها حركة "حماس".
إلا أن الحكومة أنهت جلستها دون أن تتخذ أي قرار من شأنه التخفيف من هذه العقوبات، واكتفت بالقول في بيانها الختامي "إن ما اتخذته السلطة الفلسطينية في غزة ليست إجراءات عقابية، وإنما قرارات في إطار الانقسام وسيتم معالجتها لاحقًا".
وبالتالي ليس على الأرملة النجار إلا الانتظار أكثر، علّها تلتقي الرئيس أو رئيس حكومته لتحكي لهما فصول قصتها.
