web site counter

أيمن .. ضحية نفق أوله في أمريكا وآخره في رفح

يضم طلعت أبو سمك بين إصبعيه سيجارة يتصاعد منها خيط دخان يعينه على استيعاب أحزانه الغائرة بوفاة ابن شقيقه أيمن الذي قضى في نفق على الحدود المصرية مع غزة.
 
وطلعت كان يجلس بين عشرات الرجال في خيمة العزاء بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وكان بعضهم يحتسي القهوة ويبتلعون دهشتهم الممزوجة بالحزن على وفاة أيمن أبوسمك 24 عاما.
 
شكل الخيمة وصفوف المقاعد تؤكد أنهم عادوا للتو من رحلة التشييع وبدءوا في ممارسة استقبال المعزين الذين لا تنقطع استفساراتهم عن الحادثة الأليمة .
 
خاتمة حياة أيمن تبدأ من قصة والده المعتقل في أحد سجون الولايات المتحدة كمعتقل سياسي لا يعرفون أخباره سوى من مكالمة كل يوم سبت.
 
ويقضي والد أيمن حكما مؤبدا منذ عام 1990 في حين عاش أيمن سنواته الأربعة الأخيرة في غزة، أما والدته وإخوته فيمكثون في الضفة الغربية.
 
عاش أيمن ممزقا بين أب معتقل في أمريكا وأم وثلاثة إخوة في الضفة الغربية وشقيقة متزوجة في غزة ما أثّر في حياته الشخصية.
 
وكان أيمن قد توفي فجر أمس الثلاثاء في انهيار نفق على الحدود المصرية وهو ثامن ضحية تبتلعها الأنفاق في أقل من يومين.
 
ولقي نحو 100 فلسطيني حتفهم منذ صيف العام 2007، وخلال العام الجاري قتل 39 فلسطينياً بحسب إحصائية وصلت "صفا" من مركز الميزان لحقوق الإنسان.
 
فرصة للحياة
ويستعرض طلعت عم الضحية أيمن تفاصيل حياته مع ابن شقيقة بالقول: "ذهب (أيمن) للضفة قبل 8 أعوام ثم ألحيت عليه أن يأتي لغزة علني أساعده ليجد فرصة عمل بحكم ظروف والده فقد أردت أن أخدمه".
 
ويأسف طلعت على ذلك الرجل الذي ضرب صدره واعدا بمساعدته في توفير فرص عمل لأيمن الوافد الجديد من الضفة الغربية.
 
وتابع بعيون نصف دامعة: "كوني سجين قديم عدة سنوات وأعمل في جهاز أمني سابقا حاولت أن أساعده ومكثت 3-4 سنوات ولم أستطع أن أساعده".
 
بدأ أيمن أبو سمك يتأقلم مع حياته الجديدة فيمضي وقته بين أعمامه الخمسة عشر وأبنائهم المقاربين له في العمر والصفات .
أقارب أيمن يلقون نظرة الوداع عليه (صفا)
 
ويستطيع من يسمع قصة أيمن أن يسجّله في كتاب المعاناة، فوالده محكوم بالسجن المؤبد في أمريكا والاحتلال أبعده بعد عام من السجن إلى غزة، أما أشقاؤه فأحدهم معتقل في الضفة والآخران يعيشان برفقة أمهم.
 
البحث عن المجهول
ويراقب حديث طلعت شقيقه الأكبر منه سنا ويدعى أبو وليد الذي بدا متأثرا على وفاة أيمن حيث يعتبره واحدا من أبنائه.
 
أما عمه كمال فقد تابع الحديث بخطوات متوترة منتهزا فرصة للتأكيد على صفات أيمن الهادئة وحياته الوادعة .
 
وأضاف كمال: "عايشناه إنسان خلوق ونتعامل معه كأولادنا وهو مؤدب يرتاد المسجد برفقة عمه-يشير بيده-أبو الوليد دائما".
 
ولم ينتبه الأعمام ولا أولادهم إلى غياب أيمن فالمدة بمجملها لم تتجاوز 24 ساعة منذ خروجه من دير البلح وسفره إلى منيته.
 
وقال طلعت:"علمنا أنه كان يعمل برفقة أشخاص من الساعة 6 مساء ثم حاولوا الاستراحة عند الحادية عشر والنصف لكنه قال لهم لنبقى حتى 12 ليلا وصار ما صار".
 
انهال التراب على نفق قيد الإعداد فابتلع في طريقه أيمن وأصاب الآخرين لكن الحظ الأكبر كان من نصيب صاحب المشورة بالتأخر قليلا !! .
 
قبل الانهيار كان النفق قد شق قرابة 500 متر محاولا التنفس على الجانب المصري وقد جاء الحادث في ظل انقطاع التيار الكهربي.
 
عن ذلك يقول طلعت:"أصيب أيمن في يده واحتاروا أين دفن واستمرت محاولات إخراجه ساعة ونصف تلاها محاولات لسحبه بساعة أضافية لكن كان قد توفى!!".
 
ويؤكد أقارب أيمن أنها المرة الأولى التي يخرج فيها للعمل في حفر الأنفاق على الحدود مع مصر بعد أن ضاقت في وجهه سبل الرزق والعمل.
 
هاتف الليل
رنّ هاتف طلعت النقّال بعنف عند الواحدة والنصف فجرا كان المتصل يحمل أخبارا مفاجأة ومزعجة في نفس الوقت.
 
بادر المتصل بالسؤال متحققا عن شخص اسمه أيمن يعمل في حفر الأنفاق انهال عليه التراب ودفن تحت الرمال! .
 
تجمّدت ذراع طلعت عقب المكالمة فلم يجرؤ على إخبار إخوته فبدأ سلسلة من الاتصالات مع شقيقين له يقطنان تل السلطان برفح.
 
ونقل جثمان أيمن صباح الثلاثاء للطبيب الشرعي الذي أكد وفاته مختنقا تحت الترب قبل أن يدفن في مدينة دير البلح.
 
ذكريات ضائعة
وتظلل المفاجأة بجناحيها على عائلة أبو سمك التي فقدت أيمن الضحية المئة للأنفاق على الحدود بين رفح ومصر بحسب آخر الإحصاءات.
 
وقال طلعت:"تفاجئنا من الحادثة فنسمع عن كثيرين يموتون في الأنفاق ومؤكد أن أيمن ذهب هناك لعدم وجود أي فرصة عمل له" .
 
وعاش أيمن حياة صعبة فوالده المحكوم مدى الحياة وأشقائه في الضفة مهددين بسيف الفقر ووالدته تحاول توفير قوت يومها من آلة الخياطة المتواضعة.
 
وفيما تحاول نصف الأسرة مقارعة شظف العيش في الضفة يحاول والده العمل في معتقله الأمريكي لتوفير جزء من مصروف أبنائه بينما رحل جناحهم الأخر-أيمن-على غير موعد.
 
ويتسمّر ابن عمه محمد أمام حادثة وفاة أيمن قائلاً: "رافقته قبل يوم وكان مريضا ذهبنا لمستشفى الأقصى فقد اشتكى من آلام في بطنه قال لي هناك سكاكين في بطني!!".
 
واليوم لا يعلم أعمام أيمن بم سيجيبون والده المتصل مساء كل سبت حين يسألهم عن ابنه الذي رحل إلى غير رجعة.

/ تعليق عبر الفيس بوك