web site counter

تخللتها احتجاجات شعبية

بلدية نابلس تطوي 4 سنوات بين الـ"مُنتخب" والـ"مُعيّن"

نابلس - خاص صفا

يقترب موعد الانتخابات المحلية، وتقترب معه بلدية نابلس من طي أربع سنوات من تاريخها، شهدت استقالة مجلس بلدي منتخب قبل انتهاء مدته القانونية.

وتحظى بلدية نابلس باهتمام خاص نظرًا لما تمثله هذه المؤسسة العريقة التي يمتد عمرها لنحو قرن ونصف، ولحجم التعداد السكاني المستفيد من خدماتها، والذي يشمل سكان المدينة وثلاثة مخيمات وأطراف القرى المجاورة.

في آخر انتخابات بلدية شهدتها نابلس، والتي جرت عام 2012، تنافست ثلاث قوائم، وفازت قائمة نابلس الوطنية التي ترأسها عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والرئيس الأسبق للبلدية غسان الشكعة بثلثي المقاعد.

فيما حصلت "قائمة الاستقلال والتنمية" التي ترأسها أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح أمين مقبول، وضمت حركة فتح وحزب الشعب والجبهة الديمقراطية، على خمسة مقاعد، وخرجت قائمة "نابلس للجميع" التي ضمت الجبهة الشعبية والمبادرة الوطنية خالية الوفاض.

وشهدت الفترة التي سبقت الانتخابات حالة استقطاب حادة بين الشكعة وحركة فتح، بسبب رفض فتح اختياره على رأس قائمتها، وتحديه لها بإعلانه نيته خوض الانتخابات بقائمة مستقلة، مما دفع الحركة للتهديد بفصله من صفوفها.

واستبق الشكعة إقدام حركة فتح على فصله، مقدماً استقالته من الحركة هو والمنتمين للحركة من مرشحي قائمته.

وبفوزه بالانتخابات، ترأس الشكعة بلدية نابلس، ليتسلمها من المجلس البلدي السابق برئاسة المهندس عدلي يعيش المنتخب منذ العام 2005.

كان يعيش استطاع خلال سبع سنوات تنفيذ مجموعة من المشاريع الكبيرة على صعيد المياه والصرف الصحي والكهرباء والبنى التحتية، بالرغم من شح الموارد بسبب مقاطعة أغلب الدول المانحة للبلدية على خلفية هوية المجلس البلدي المقرب من حركة حماس.

ورغم توقعات المواطنين عام 2012 بأن المجلس الجديد سيكون أقدر من سلفه على جذب أموال المانحين بعد انتهاء المقاطعة، إلا أن عوامل داخلية وقفت عقبة أمام المجلس.

وجاء الشكعة ببرنامج طموح ورؤية استراتيجية للنهوض بمدينة نابلس واستعادة مكانتها التاريخية والسياسية والاقتصادية، ووضع على جدول أعماله العديد من المشاريع التي من شأنها تحقيق رؤيته.

لم يكد الشكعة يتولى مهام منصبه حتى اصطدم بالوضع المالي للبلدية، وأعلن أنه تفاجأ من حقيقة الوضع المالي، ولهذا بادر على مدى عدة أسابيع إلى نشر أرصدة البلدية اليومية عبر وسائل الإعلام، والتي كانت بالسالب.

طموحات لم تكتمل

وضع الشكعة على جدول أعمال البلدية مجموعة من المشاريع الكبرى، مثل تأهيل مداخل المدينة الرئيسة، ونقل مجمعي كراجات القرى الشرقية والغربية إلى أطراف المدينة، وإقامة ملاعب وصالات رياضية مغلقة ونواد ترفيهية للشباب.

وكانت رؤيته تعتمد على ضرورة تأهيل مداخل المدينة الرئيسة، لتشجيع زوار المدينة من المدن الأخرى وفلسطينيي الداخل على زيارتها.

ونجح المجلس البلدي في الحصول على العديد من المشاريع من جهات مانحة، وتم تنفيذ بعضها فعلياً، ومنها مشروع تعديل شارع يافا، لكن المجلس استقال قبل أن يكتمل بعضها الآخر.

كما أن كثيرا من المشاريع توقف العمل بها بعد بدئه، كما هو حال الصالة الرياضية المغلقة، أو لم تبدأ الخطوة الأولى فيها بسبب اعتراض المجتمع المحلي على بعضها، كمشروع نقل مجمع الكراجات الشرقية.

وعانت البلدية من أزمة مالية كبيرة، بسبب ضعف الجباية، وبسبب توقف وزارة المالية عن دفع مستحقات البلدية لوجود خلاف على دين مترتب على البلدية قيمته 196 مليون شيكل.

وأدت الأزمة المالية إلى تأخر صرف رواتب موظفي البلدية عن موعدها أكثر من مرة، كما أثرت على قدرة البلدية على جذب تمويل لمشاريعها لعدم قدرتها على دفع مساهمتها بالمشاريع.

وشكلت الطريقة التي تم فيها تسليم متنزه "سما نابلس" لأحد المستثمرين، محطة من محطات الاصطدام بين المجلس البلدي وقطاع واسع من المجتمع المحلي.

فهذا المتنزه الذي افتتحه المجلس السابق أمام الأهالي برسوم رمزية، شكل متنفسا للمواطنين في ظل إغلاق الاحتلال للمدينة.

ولكن بموجب الاتفاق بين البلدية والمستثمر، لم يعد بإمكان المواطن العادي الاستفادة كما في السابق من هذا المتنزه الذي يقع على قمة جبل عيبال، ويشرف على أنحاء المدينة وعلى الساحل الفلسطيني.

فقد تقلصت المساحة المتاحة أمام المواطنين، لتحل مكانها مطاعم ومقاهٍ وكافتيريات وأكشاك، مما جعل الكثيرين يرون في هذا التطور انحيازًا إلى جانب رؤوس الأموال على حساب الفقراء والبسطاء.

وظل المجلس البلدي يعاني من مساع محمومة من قيادات كبيرة في حركة فتح ولجنتها المركزية لإسقاطه، فرغم ماضيه الفتحاوي، إلا أنهم لم ينسوا للشكعة تحديه لقائمة الحركة الرسمية وإلحاقه هزيمة منكرة بها.

وساهمت بعض الإشكاليات مع باقي المؤسسات، بالإضافة إلى حالة العداء مع حركة فتح، بخلق حالة من الجفاء والقطيعة شبه المعلنة ما بين البلدية وأغلب مؤسسات المدينة، وأهمها المحافظة، وغرفة التجارة، وملتقى رجال الأعمال.

وعملت هذه القطيعة على فرض عزلة على البلدية، وظهر ذلك جليا في مقاطعة هذه المؤسسات لأنشطة البلدية، مما انعكس سلبا على أدائها.

مجلس تلاحقه الاستقالات

وعلاوة على التحديات الخارجية، وقعت العديد من الإشكالات الداخلية بين الشكعة وباقي أعضاء مجلسه، بمن فيهم أعضاء قائمته، حول إدارة شؤون البلدية واتخاذ القرارات المهمة، فقدموا استقالاتهم تباعا.

وكان أول المستقيلين من المجلس نائب رئيس البلدية أمين مقبول، الذي قدم استقالته بعد أقل من ستة أشهر على الانتخابات، مبررًا ذلك بعدم وجود الوقت الكافي لمتابعة قضايا المواطنين بسبب انشغاله بمهامه بحركة فتح.

وبعد عامين، قدم ثلاثة أعضاء استقالاتهم احتجاجاً على موافقة المجلس البلدي على تمديد عقود 368 موظفًا وعاملاً، في ظل ما تعانيه البلدية من أزمة مالية.

ومع حلول صيف 2015 بدأت تلوح في الأفق أزمة مياه لم تعرفها المدينة منذ سنوات، ليبدأ حراك جماهيري يطالب المجلس البلدي بالاستقالة بدعوى فشله في حل أزمة المياه وعدم العدالة في توزيع المياه بين مختلف مناطق المدينة.

ومع تطور الحراك وتصاعد الاحتجاجات، سارع الشكعة للقول إن أزمة المياه مفتعلة، مستدلاً بإحصاءات دائرة المياه التي أظهرت قفزات غير مسبوقة في معدلات استهلاك المياه ببعض المناطق.

ولم يكن ذلك كافيا لإقناع المحتجين الذين تزايدت أعدادهم تحت وطأة العطش، ووجدت حركة فتح الفرصة للعزف على وتر أزمة المياه، للضغط على المجلس للاستقالة.

وبشكل لافت، انتقل الصراع من صفحات "فيسبوك" إلى الميادين، عندما نزل المحتجون إلى الشوارع وأغلقوا بعضها، وتظاهروا أمام مبنى البلدية، مطالبين باستقالة المجلس.

أمام هذه التطورات، استجاب خمسة من أعضاء المجلس البلدي لمطالب المحتجين، ثلاثة منهم من قائمة الشكعة، ليتبعهم بشكل متلاحق باقي الأعضاء، ليكون آخرهم الشكعة ذاته في الحادي عشر من أغسطس.

لجنة حكومية

ونشأ عن استقالة المجلس حالة فراغ استدعت من وزارة الحكم المحلي سد هذا الفراغ بتعيين لجنة لإدارة البلدية.

ووقع الاختيار على وزير النقل والمواصلات سميح طبيلة لرئاسة هذه اللجنة، والتي ضمت في عضويتها أيضا أربعة مدراء من المؤسسات الحكومية بالمدينة.

وجاء تولي طبيلة رئاسة هذه اللجنة بعد أسبوعين فقط من توليه حقيبته الوزارية في الحكومة الجديدة، مما أثار تساؤلات حول قدرته على الجمع بين الوظيفتين اللتين لا تقل ضخامة مسؤوليات كل منهما عن الأخرى.

ومع تولي اللجنة المعينة مهامها، بدأت فعاليات وأطر وفصائل مختلفة تنادي بضرورة تنظيم انتخابات جديدة لاختيار مجلس منتخب قبل انتهاء المدة القانونية للجنة المعينة، وهي شهر واحد.

لكن الحكومة تعاملت مع هذه المطالب بالتجاهل في البداية، ثم بالتسويف والمماطلة، قبل أن تبعث بإشارات إيجابية حول قرب اتخاذ قرار بإجراء الانتخابات في كل المجالس مع انتهاء فترة ولايتها، وهو ما تم فعلا في الثالث من شهر مايو.

وبتغير المجلس البلدي، عادت العلاقة بين مؤسسة البلدية وباقي مؤسسات المدينة إلى طبيعتها، مما وفر سهولة الحركة للجنة المعينة للقيام بدورها.

وخلال عام من عمل اللجنة، سجلت البلدية عدة إنجازات، مستفيدة من كون رئيسها وزيرًا في الحكومة، ورغبة الحكومة بإنجاحه، فحصل على تمويل من صندوق البلديات لتنفيذ عدة مشاريع، واستطاع تحصيل بعض المستحقات للبلدية من وزارة المالية.

ونجحت البلدية بتخفيف أزمة المياه، عن طريق توفير مضخات إضافية، واستحدثت "صندوق تكافل المياه" لتشجيع ترشيد الاستهلاك، كما نفذت عدة مشاريع لتحسين خدمة المياه وتأهيل الشوارع، وحصلت على تمويل من جهات مانحة ومن مدن تربطها بها علاقات توأمة لتنفيذ بعض المشاريع الحيوية.

وعلى الصعيد الداخلي، عمدت اللجنة إلى تشكيل مجلس استشاري يضم 20 خبيرًا في مختلف الاختصاصات من أبناء المدينة، لمعاونة اللجنة في اتخاذ القرارات، كما أعطت صلاحيات واسعة لرؤساء الأقسام والدوائر بالبلدية.

إلا أن البلدية واجهت تحديات في تنفيذ بعض المشاريع، ومنها مشروع محطة التنقية الشرقية الذي تبلغ تكلفته 43 مليون يورو، بسبب اعتراضات القرى المجاورة، ومشروع نقل مجمع الكراجات الشرقية، بسبب اعتراض سكان القرى الشرقية.

شكلت السنوات الأربع الأخيرة تجربة غنية، يتوقع أن يأخذها الناخب بعين الاعتبار عندما يتوجه في الثامن من شهر أكتوبر القادم إلى صناديق الاقتراع، ليأتي بمجلس بلدي لديه ما يكفي من الكفاءة والحكمة لتحقيق طموحاته والنهوض بالمدينة.

/ تعليق عبر الفيس بوك